الصفحة 116 من 259

فقال زيد بن سعنه: فلما كان قبل محل الأجل بيومين أو ثلاث، أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه [1] ، ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت له: ألا تقضيني يا محمد حقي؟ فو الله ما علمتكم بني عبدالمطلب لمطل [2] ، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ونظرت إلى عمر وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو الله ! أتقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع، وتصنع به ما أرى! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر قوته لضربت بسيفي رأسك [3] . ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، ثم قال: (( يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعَة [4] ، اذهب به يا عمر واعطه حقه وزده عشرين صاعًا من تمر مكان مَارُعْتَهُ ) ).

قال زيد: فذهب بي عمر - رضي الله عنه - فأعطاني حقي، وزادني عشرين صاعًا من تمر، فقلت: ما هذه الزيادة يا عمر؟ فقال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أزيدك مكان مارعتك، قلت: وتعرفني يا عمر؟ قال: لا، من أنت؟ قلت: أنا زيد بن سعنة، قال: الحبر؟ قلت: الحبر [5] ، قال: فما دعاك أن فعلت برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلت، وقلت له ما قلت؟ قلت: يا عمر! لم تكن من علامات النبوة شيء إلا وقد عرفته في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نظرت إليه، إلا اثنتين لم أخبرهما [6] منه: يسبق حلمه جهله، ولا يزيده الجهل عليه إلا حلمًا، فقد خبرتهما، فاشهد يا عمر أني قد رضيت ب الله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وأشهد أن شطر مالي - وإني أكثرها مالًا - صدقة على أمة محمد، فقال عمر -

(1) أي أن زيد بن سعنة أمسك بمجامع قميص ورداء النبي صلى الله عليه وسلم وهما عليه.

(2) المعنى: أنكم معشر بني عبدالمطلب تماطلون في سداد ما عليكم من الديون والحقوق. قال ذلك ليختبر حلم النبي صلى الله عليه وسلم .

(3) هذا كله من كلام عمر - رضي الله عنه -.

(4) أي كان الأولى أن تأمرني بحسن القضاء، وتأمر زيدًا بحسن الخلق عند طلب حقه، والتيسير في ذلك.

(5) الحَبر: العالم.

(6) قوله: (( لم أخبرهما ) )أي لم أتأكد من وجودهما لديه. ينظر النهاية 2/ 6، 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت