قال: ما أنا بفاعل. قال مكرز: بل قد أجزناه لك. قال أبو جندل: أي معشر المسلمين، أرد إلى المشركين وقد جئت مسلمًا؟ ألا ترون ما قد لقيت؟ وكان قد عذب عذابًا شديدًا في الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري [1] .
الفوائد والعبر:
1 -في هذا الحديث دليل من دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لما فار الماء بسبب وضعه صلى الله عليه وسلم سهمه في الثمد.
2 -الندب إلى صلة الرحم والنصيحة للأقارب ولهذا عرض صلى الله عليه وسلم على قريش ما عرض من أمر الصلح أول الأمر.
3 -ثبات النبي صلى الله عليه وسلم وقوته في تنفيذ حكم الله وتبليغ أمره [2] .
4 -مشروعية التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا من خصائصه، فلا يجوز إلحاق غيره من الصالحين.
5 -حرص الصحابة - رضي الله عنه - على تنفيذ أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم له.
6 -استحباب الفأل الحسن بالأسماء الحسنة ونحوها.
7 -جواز مصالحة المشركين إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين.
8 -يستفاد من قصة المغيرة - كما قال بعض أهل العلم - أنه لا يحل أخذ أموال الكفار عند الأمن، كما في حال المرافقة في السفر ونحو ذلك [3] .
الدرس السادس والثلاثون
تكملة صلح الحديبية وخبر إسلام أبي بصير ورفقته
61 -عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في قصة صلح الحديبية قالا: قال عمر بن الخطاب: فأتيت نبي الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقًّا؟ قال: (( بلى ) )، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: (( بلى ) )، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن [4] ؟ قال: (( إني رسول الله ، ولست أعصيه، وهو ناصري ) ). قلت: أو ليس كنت تحدثتنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: (( بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام؟ ) )قال: قلت: لا، قال: (( فإنك آتيه ومطوف به ) ) [5] . قال: فأتيت أبا بكر، فقلت: يا أبا بكر، أليس هذا نبي الله حقًّا، قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغرزه [6] فو الله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. قال الزهري: قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا [7] . قال: فلما فرغ من قضية الكتاب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (( قوموا فانحروا ثم احلقوا ) )، قال:
(1) صحيح البخاري: الشروط (2731، 2732) ، وينظر في شرح ألفاظ هذا الحديث وجمله: الروض الأنف 4/ 39 - 58، كشف المشكل 4/ 51 - 63، شرح الطيبي 8/ 67 - 71، فتح الباري 5/ 333 - 345، عمدة القاري 14/ 6 - 13، حاشية السندي على المسند 31/ 221 - 226، 254 - 257.
(2) الفتح 5/ 339.
(3) كشف المشكل 4/ 55، الفتح 5/ 341، عمدة القاري 14/ 11.
(4) أي الحالة الدون، والتي فيها شيء من الضعف، يشير إلى ما في هذا الصلح من شروط فيها إجحاف على المسلمين في نظره.
(5) وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أري في المنام أنه يعتمر بالبيت هو وأصحابه، فأخبرهم بذلك، ورؤيا الأنبياء حق، وهذا - كما ذكر أهل التفسير - ما أشار إليه ربنا جل وعلا بقوله: {ولقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق} [الفتح: 27] .
(6) الغرز: هو ما يوضع فوق البعير، ويستمسك به الراكب فوقه، والمراد هنا: عدم مخالفته صلى الله عليه وسلم .
(7) أي عمل عمر أعمالًا صالحة من صلاة وصيام وصدقة وإعتاق لتقابل هذا الموقف وهذه المعارضة لحكم النبي صلى الله عليه وسلم لعل الله أن يكفره عنه.