أي غدر، ألست أسعى في غدرتك؟ وكان المغيرة صحب قومًا في الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم ثم جاء فأسلم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( أما الإسلام فأقبل، وأما المال فلست منه في شيء ) ) [1] ثم إن عروة جعل يرمق أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعينيه، قال: فو الله ما تنخم رسول الله صلى الله عليه وسلم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره. وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه [2] وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له. فرجع عروة إلى أصحابه فقال: أي قوم، و الله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. و الله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم محمدًا. و الله إن يتنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجلده. وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون النظر إليه تعظيمًا له. وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها، فقال رجل من بني كنانة: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلما أشرف على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( هذا فلان وهو من قوم يعظمون البدن فابعثوها له ) )، فبعثت له، واستقبله الناس يلبون [3] . فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ، ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا عن البيت. فلما رجع إلى أصحابه قال: رأيت البدن قد قلدت وأشعرت [4] فما أرى أن يصدوا عن البيت. فقام رجل منهم [5] يقال له: مكرز بن حفص، فقال: دعوني آته، فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( هذا مكرز، وهو رجل فاجر ) ) [6] ، فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فبينما هو يكلمه إذ جاء سهيل بن عمرو، قال معمر: فأخبرني أيوب، عن عكرمة: أنه لما جاء سهيل بن عمرو قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( قد سهل لكم من أمركم ) ). قال معمر: قال الزهري في حديثه: فجاء سهيل بن عمرو فقال: هات اكتب بيننا وبينكم كتابًا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الكاتب فقال النبي صلى الله عليه وسلم اكتب: (( بسم الله الرحمن الرحيم ) ): فقال سهيل: أما الرحمن فو الله ما أدري ما هي، ولكن اكتب: باسمك اللهم، كما كنت تكتب. فقال المسلمون: و الله لا نكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اكتب باسمك اللهم ) ). ثم قال: (( هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله ) )، فقال سهيل: و الله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولا قاتلناك. ولكن اكتب: محمد بن عبد الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( و الله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله ) ). قال الزهري: وذلك لقوله: (( لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) ). فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (( على أن تخلوا بيننا وبين البيت فنطوف به ) ). فقال سهيل: و الله لا تتحدث العرب أنا أخذنا ضغطة [7] ، ولكن ذلك من العام المقبل، فكتب. فقال سهيل: وعلى أنه لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا قال المسلمون: سبحان الله ، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيوده [8] . وقد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل: هذا يا محمد أول من أقاضيك عليه [9] أن ترده إلي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنا لم نقض الكتاب بعد ) ). قال: فو الله إذًا لم أصالحك على شيء أبدًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( فأجزه لي ) ) [10] ، قال: ما أنا بمجيز ذلك لك. قال: (( بلى فافعل ) ).
(1) أي لا أتعرض لمال الكفار، لأنه أخذ غدرًا، وكان المغيره طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسمه.
(2) أي يتسابقون إلى بقية وضوء النبي صلى الله عليه وسلم .
(3) البدن: هي الإبل التي ساقها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه هديًا ليذبحوه في الحرم، ابعثوها: أي أثيروها لتمشي أمام هذا الرجل الكناني، وزاد الصحابة التلبية ليشعروه أنهم أتوا حجاجًا لا محاربين.
(4) التقليد: هو أن يعلق في عنق الهدي شيء ليعلم أنها هدي. والأشعار هو أن يطعن في جانب سنام البعير المهدى الأيمن حتى يسيل منه الدم، ليعلم أنه هدي.
(5) أي من قريش، وهو من بني عامر بن لؤي.
(6) في رواية (( غادر ) )وكأن هذا أقرب، فقد حدث منه عدة غدرات فيما سبق. أما الفجور فمقولته عند مجيء أبي جندل يدل على خلاف ذلك.
(7) أي قهرًا.
(8) المعنى: يمشي مشيًا بطيئًا بسبب القيد.
(9) أي أول ما أطلب تنفيذه مما صالحتك عليه.
(10) المعنى: أمض لي فعلي فيه فلا أرده إليك.