يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه [1] ، فبينما هم كذلك إذ جاء بديل بن ورقاء الخزاعي في نفر من قومه من خزاعة وكانوا عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم [2] من أهل تهامة فقال: إني تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي [3] نزلوا أعداد مياه الحديبية ومعهم العوذ المطافيل [4] وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( إنا لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤا ماددتهم مدة ويخلوا بيني وبين الناس، فإن أظهر، فإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا وإلا فقد جموا [5] وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي [6] ، ولينفذن الله أمره ) ) [7] . فقال بديل: سأبلغهم ما تقول. قال: فانطلق حتى أتى قريشًا، قال: إنا قد جئناكم من هذا الرجل وسمعناه يقول قولًا، فإن شئتم أن نعرضه عليكم فعلنا. فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا أن تخبرنا عنه بشيء. وقال ذوو الرأي منهم: هات ما سمعته يقول، قال: سمعته يقول كذا وكذا، فحدثهم بما قال النبي صلى الله عليه وسلم فقام عروة بن مسعود فقال: أي قوم، ألستم بالولد؟ وألست بالوالد؟ قالوا: بلى، قال: فهل تتهموني؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أني استنفرت أهل عكاظ فلما بلحوا علي [8] جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قالوا: بلى، قال: فإن هذا قد عرض لكم خطة رشد، اقبلوها ودعوني آته، قالوا: ائته، فأتاه فجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحوا من قوله لبديل. فقال عروة عند ذلك: أي محمد، أرأيت إن استأصلت أمر قومك، هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك [9] ؟ وإن تكن الأخرى [10] ، فإني و الله لأرى وجوهًا [11] ، وإني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك [12] . فقال له أبو بكر رضي الله عنه: امصص بظر اللات [13] ، أنحن نفر عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي [14] لم أجزك بها لأجبتك. قال: وجعل يكلم النبي صلى الله عليه وسلم فكلما تكلم كلمة أخذ بلحيته [15] ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبي صلى الله عليه وسلم ومعه السيف وعليه المغفر، فكلما أهوى عروة بيده إلى لحية النبي صلى الله عليه وسلم ضرب يده بنعل السيف، وقال له: أخر يدك عن لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فرفع عروة رأسه فقال: من هذا؟ قال: المغيرة بن شعبة، فقال:
(1) نزحوه: أخذوا جميع ما فيه من الماء. والكنانة: الجعبة التي توضع فيها السهام. ويجيش: يفور. وصدروا عنه: رجعوا رواء بعد وردهم.
(2) أي موضع النصح له والأمانة على سرِّه.
(3) يريد بني كعب وبني عامر، وهما فخذان من قريش، وكان أهل من مكة منهما.
(4) أعداد: جمع عد، وهو الماء الذي لا انقطاع له، والعوذ: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن. والمطافيل: الأمهات اللاتي معهن أطفالهن. ومراده أنهم خرجوا بذوات اللبن من الإبل للتزود بلبنها لعزمهم طول البقاء لصده صلى الله عليه وسلم ، أو أنهم خرجوا بالنساء معهن أطفالهن من أجل طول المقام.
(5) أي إن شاءت قريش صالحتهم مدة من الزمن، ويخلون بيني وبين سائر الناس، فإن انتصرت على غيرهم وتبعوني كانوا هم بالخيار، إن شاؤوا تبعوني كغيرهم، وإلا كانوا قد استراحوا وتقووا في فترة الصلح.
(6) السالفة: صفحة العنق. قال ابن الجوزي في كشف المشكل: (( إنما عنى الهلاك، لأن السالفة لا تنفرد عما يليها إلا بالقتل ) ).
(7) أي لينصرن دينه.
(8) أي امتنعوا من المجيء معي لنصرتكم.
(9) الاستئصال: الإهلاك. ومثله: الاجتياح. وأراد بقوم النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرشي منهم.
(10) أراد انهزام المسلمين وغلبة قريش، وقتل المسلمين.
(11) الوجوه: الأعيان. أراد أن قريشًا خرجت بأشرافها وشجعانها. وفي بعض نسخ البخاري المطبوعة: (( لا أرى ) )وهو تصحيف.
(12) قال في كشف المشكل: (( الأشواب والأوشاب والأوباش والأشايب: الأخلاط من الناس من قبائل شتى ) )، وخليقًا: أي حقيقًا. والمعنى: أي لا يبعد منهم أن يفروا.
(13) البضر: قطعة من اللحم تبقى في فرج المرأة بعد ختانها. واللات: الصنم الذي كان يعبده عروة وقومه ثقيف. وهذه كلمة تقولها العرب عند الشتم.
(14) أي لولا معروف سابق منك لي. قيل: إن أبا بكر أعانه بعشر من الإبل في دية كانت عليه.
(15) كان من عادة العرب عند المحادثة أن يلمس أحدهم لحية من يحادثه، لاسيما عند الملاطفة وكان من يحادثه نظيرًا له، وإنما منعه المغيرة لأنه ليس نظيرًا للنبي صلى الله عليه وسلم .