الدرس الخامس والثلاثون
صلح الحديبية وخبر إسلام المغيرة بن شعبة
60 -عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان، يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين ) ) [1] ، فو الله ما شعر بهم خالد حتى إذا هم بقترة الجيش [2] فانطلق يركض نذيرًا لقريش، وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالثنية التي يهبط عليهم منها بركت به راحلته. فقال الناس: حل حل، فألحت فقالوا: خلأت القصواء [3] ، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل ) )، ثم قال: (( والذي نفسي بيده لا يسألونني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها ) ). ثم زجرها فوثبت، قال: فعدل عنهم حتى نزل بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا [4] ، فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العطش. فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فو الله ما زال
(1) الغميم: مكان بين رابغ والجحفة، والطليعة مقدمة الجيش، وذلك أن قريشًا لما علمت بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه يريدون العمرة خرجت في جيش كبير لمنعهم من العمرة ومن دخول مكة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بجيش قريش، وبطليعته بقيادة خالد، فأمر الصحابة أن يتجهوا ذات اليمين - وهي الجهة التي فيها خالد ومن معه.
(2) القترة: الغبار الأسود.
(3) الثنية هي كالعقبة في الجبل، أو كالطريق فيه. وهذه الثنية قريبة من الموضع الذي فيه جيش قريش. وحل: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير لتسير. وألحت: تمادت في عدم القيام. وخلأت: الخلاء للإبل كالحران للخيل.
(4) الثمد: الماء القليل، والمراد هنا: البئر التي فيها ماء قليل. والتبرض: أخذ الماء قليلًا قليلًا.