ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقًا منه [1] ، ثم قلت: أيها الملك، و الله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. فقال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى [2] لتقتله؟! قال: قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ فقال: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه، فإنه و الله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده. قال: قلت: فبايعني له على الإسلام. قال: نعم. فبسط يده وبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي [3] عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي.
ثم خرجت عامدًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مُقْبِلٌ من مكة، فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: و الله لقد استقام المنسم [4] ، وإن الرجل لنبي، أذهب و الله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت: و الله ما جئت إلا لأسلم. قال: فقدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت، فقلت: يا رسول الله ، إني أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي. ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا عمرو، بايع، فإن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها ) )قال: فبايعته ثم انصرفت [5] .
(1) أي خوفًا من النجاشي، وكأنّ من عادة الحبشة إذا غضب أحدهم أن يضرب أنف نفسه، إظهارًا للغضب.
(2) الناموس في اللغة: صاحب سر الخير. ويقابله: الجاسوس، وهو صاحب سر الشر. والمراد هنا: جبريل عليه السلام، سمي بذلك لأن الله تعالى خصه بالوحي.
(3) أي تغير.
(4) أي تبين الطريق، وذلك أنه عرف أن دعوة النبي صلى الله عليه وسلم حق.
(5) رواه الإمام أحمد (17777) ، والبخاري في تاريخه 2/ 311، 312، والطحاوي في المشكل (507) ، والحاكم 3/ 297، 298، و454 وسنده حسن في الشواهد، وقال الساعاني في الفتح الرباني 21/ 139: (( سنده جيد ) ).
وروى الإمام أحمد بعد روايته السابقة عن ابن إسحاق قال حدثني من لا أتهم أن عثمان بن طلحة كان معهما حين أسلما.
وروى هذا الحديث بطوله الواقدي في مغازيه 2/ 741، 744، ومن طريقه البيهقي في الدلائل 4/ 343 - 346. والواقدي وإن كان متروك الحديث لكنه اعتبر بروايته جمع من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول، والذهبي في الميزان في المغازي والسير.
وبالجملة فهذا الحديث بمجموع هذه الأسانيد حسن أو قريب منه، ويشهد له قصة إسلام عمرو وحده الآتية إن شاء الله تعالى.