الصفحة 52 من 259

صاحبه [1] وكان أعلم به مني، ثم رفع رأسه. ثم قال: (( متى كنت هاهنا؟ ) ). قال: قلت: قد كنت هاهنا منذ ثلاثين، بين يوم وليلة، قال: (( فمن كان يطعمك؟ ) ). قال: قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم. فسمنت حتى تكسرت عُكن بطني، وما أجد على كبدي سُخفة جوع. قال: (( إنها مباركة، إنها طعام طُعم ) ) [2] .

قال أبو بكر: يا رسول الله، ائذن لي في طعامه الليلة. فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وانطلقت معهما. ففتح أبو بكر بابًا، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، وكان ذلك أول طعام أكلته، ثم غبرت ما غبرتُ، ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم [3] فقال: (( إنه وُجهت لي أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب [4] فهل أنت مبلِّغٌ عني قومك؟ [5] عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم ) ) [6] .

فأتيت أنيسًا فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدّقت. قال: ما بي رغبة عن دينك [7] ، فإني قد أسلمت وصدّقت. فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدّقت. فاحتملنا [8] حتى أتينا قومنا غفارًا. فأسلم نصفهم، وكان يؤمهم إيماء بن رحضة الغفاري، وكان سيدهم.

(1) المراد أن أبا بكر رضي الله عنه كف يد أبي ذر لما مدها، ومنعه من إمساك يد النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) أي يشبع شاربها، كما يشبعه الطعام.

(3) أي بقيت ما بقيت، ومراده أنه غاب عن النبي صلى الله عليه وسلم فترة، ثم أتاه.

(4) روى البخاري (4081) ، ومسلم (2272) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي - أي اعتقادي - إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي يثرب ) ).

(5) أي هل أنت قائم بدعوة قومك إلى الإسلام إذا رجعت إليهم، وهذا طلب وأمر من النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر أن يدعو قومه إلى الإسلام.

(6) أي عسى الله أن ينفعهم بك بدعوتك لهم، فيدخلو في الإسلام، ويثيبك الله على ذلك، لأن من دعى إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه.

(7) أي لا أكرهه؛ بل أدخل فيه.

(8) أي حملنا أنفسنا ومتاعنا على رواحلنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت