أصمختهم [1] ، فما يطوف بالبيت أحدٌ، وامرأتان منهم تدعوان إسافًا ونائلة [2] ، قال: فأتتا عليَّ في طوافهما فقلت: أنكحا أحدهما الآخر. قال: فما تناهتا عن قولهما [3] . قال: فأتتا عليّ. فقلت: هَنٌ مثل الخشبة، غير أني لا أكني [4] . فانطلقتا تولولان [5] وتقولان: لو كان هاهنا أحد من أنفارنا [6] ! قال: فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطان [7] . قال: (( مالكما؟ ) )قالتا: الصابئ بين الكعبة وأستارها [8] . قال: (( ما قال لكما؟ ) )قالتا: إنه قال لنا كلمة تملأ الفم [9] . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر، وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى، فلما قضى صلاته - قال أبو ذر - فكنت أنا أول من حياه بتحية الإسلام، قال: فقلت: السلام عليك يا رسول الله! فقال: (( وعليك ورحمة الله ) ). ثم قال: (( من أنت؟ ) )قال قلت: من غفار. قال: فأهوى بيده فوضع أصابعه على جبهته. فقلت في نفسي: كره أنِ انتميت إلى غفار. فذهبت آخذ بيده. فقدعني
(1) الصماخ هو خرق الأذن، وفي رواية (( أسمختهم ) )وهما بمعنى. والمراد: آذانهم. أي أنهم ناموا.
(2) أي لا يوجد من يطوف مرأتين، وكانتا تدعوان صنمي أساف ونائلة.
(3) أي مرتا عليه في طوافهما، فقال لهما: أنكحا أحدهما - أي إساف ونائلة - الآخر، وهذا سب للصنمين، يقول: ومع هذا السب فلم يتركا دعاء هذين الصنمين.
(4) (( الهن ) )لفظة يكنى بها عن كل شيء، وأكثر ما تستعمل عن الفرج والذكر، فأبو ذر صرح لهما باسم الذكر، ولم يأت بالكناية. وأراد بذلك سب الصنمين، كما ذكر في مقولته الأولى (( أنكحا أحدهما الآخر ) ).
(5) أي تدعوان على أنفسهما بالويل.
(6) الأنفار: جمع نفر، وهو الذي ينفر عند الاستغاثة. ومرادهما: لو كان هنا أحد من أنصارنا لنصرنا عليه.
(7) في بعض الروايات (( وهما هابطان من الجبل ) ).
(8) أي أن هذا الرجل الذي سب الصنمين - وهو أبو ذر - قد استتر بثياب الكعبة، فهو بين الكعبة وأستارها.
(9) أي قال كلمة عظيمة كالشيء الذي يملأ الشيء، أو أنها لقبحها كأنها تسد فم حاكيها وتملؤه، لاستعظامها.