الصفحة 50 من 259

فراث عليَّ [1] ، ثم جاء فقلت: ما صنعتَ؟ قال: لقيتُ رجلًا بمكة على دينك [2] يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر. وكان أنيسٌ أحد الشعراء.

قال أنيس: لقد سمعتُ قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر [3] فما يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر [4] ، و الله إنه لصادق، وإنهم لكاذبون.

قال: قلت: فاكفني حتى أذهب فأنظر. قال فأتيت مكة. فتضعّفت رجلًا منهم فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصابئ؟ [5] ، فأشار إليّ، فقال: الصابئ. فما عليَّ أهل الوادي بكل مدرة وعظم [6] حتى خررت مغشيًا عليَّ. قال: فارتفعت حين ارتفعتُ، كأني نُصُب أحمر [7] . قال: فأتيت زمزم فغسلت عني الدماء وشربت من مائها، ولقد لبثت يا ابن أخي ثلاثين بين ليلة ويوم ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عُكُن بطني [8] ، وما وجدت على كبدي سخفة جوع [9] .

قال: فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان [10] ، إذ ضُرب على

(1) أي أبطأ وتأخر.

(2) وذلك أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عليه الصلاة والسلام موحد لا يعبد إلا الله، وهذا هو دين أبي ذر رضي الله عنه.

(3) أي على طرق الشعر وأنواعه وقوافيه.

(4) أي لا يمكن غيري أن يقول: إنه شعر.

(5) أي نظرت إلى أضعف أهل مكة فسألته عن النبي صلى الله عليه وسلم، الذي كان يسميه أهل مكة (( الصابئ ) )والأصل أن (( الصابئ ) )هو التارك لدينه. وقال سأل أضعفهم لأن الضعيف غالبًا لا يناله بمكروه ولن يفطن لقصده.

(6) أي أن أهل مكة قاموا عليه يرمونه بالمدر - وهو الطين اليابس - والعظام.

(7) المراد أنه لما قام بعد إفاقته فإذا هو على هيئة النصب الأحمر، بسبب كثرة الدم على جسده من الجراح، والنصب حجر كان أهل الجاهلية ينصبونه ويذبحون عليه، فتحمر من الدم.

(8) أي تثنى لحم بطنه من السمن.

(9) سخفة الجوع: هزاله وضعفه.

(10) أي كثير ضوء قمرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت