من المدعوِّين، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحيهما [1] عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أُحُد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة؛ إذ عرضتُ نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي [2] ، فلم استفق إلا وأنا بقرن الثعالب [3] ، فرفعت رأسي، فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد أرسل الله إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم. فناداني ملك الجبال فسلّم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أطبق عليهم الأخشبين [4] . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( بل أرجوا أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا ) ).
3 -في رد بني عبد ياليل السيء بيان لسفاهة الكفار وضلالهم وتلاعب الشيطان بهم، وهذا شأن كل من عصى الله تعالى، فإن الشيطان يتلاعب به ويستحوذ عليه حتى يريه الباطل حقًا والحق باطلًا.
ولهذا يجب على كل عاقل أن يتبع شرع الله تعالى الذي أنزله خالق البشر الذي يعلم ما يصلحهم في عاجل أمرهم وآجله، وأن يبتعد عن معصية الله ، فهي عنوان السفه، ويكفي أن صاحبها يحرم نفسه دخول الجنة، ويعرضها لدخول نار جهنم من أجل معاصي لا يستفيد منها شيئًا، وإنما هي طاعة لعدوه الشيطان الذي همه أن يدخل بني آدم معه في نا جهنم. نسأل الله السلامة والعافية.
4 -أن الغنى والمنصب وما يكون فيه الإنسان من الترف قد يكون من أعظم الأسباب التي تصدّ عن اتباع الحق والسير على الصراط
(1) صحيح البخاري: بدء الخلق (3231) ، وصحيح مسلم: الجهاد (1795) .
(2) أي انطلقت إلى الجهة المقابلة لوجهي.
(3) القرن الجبل الصغير المنقطع من جبل كبير، والمراد قرن المنازل الذي هو ميقات أهل نجد.
(4) الأخشبان: جبلان بمكة، أحدهما أبو قبيس، وجبل آخر مقابل له، وينظر في شرح عبارات هذا الحديث: شرح صحيح مسلم للنووي 12/ 155، الفتح 6/ 315، المرقاة 5/ 411.