الدرس السابع عشر
خبر إسلام أوائل الأنصار بسبب استفتاح اليهود عليهم وإخبارهم لهم بقرب بعثة النبي صلى الله عليه وسلم
33 -عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن رجال من قومه، قالوا: إن مما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى وهداه لنا، لما كنا نسمع من رجال يهود، وكنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل الكتاب، عندهم علم ليس لنا [1] ، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون، قالوا لنا: إنه قد تقارب زمان نبي يُبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم [2] ، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى، وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به، فبادرناهم إليه، فآمنا به، وكفروا به، ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من البقرة: {ولمّا جاءهم كتابٌ من عند الله مصدقٌ لما معهم وكانوا من قبلُ يستفتحون على الذين كفروا [3] فلمّا جاءهم مّا عرفوا كفروا به فلعنةُ الله على الكافرين} [البقرة: 89] [4] .
34 -وعن سلمة بن سلامة الأشهلي الأنصاري - رضي الله عنه - وكان من أصحاب بدر، قال: كان لنا جار من يهود في بني عبدالأشهل [5] ، قال: فخرج علينا يومًا من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير، فوقف على مجلس بني عبدالأشهل. قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنًا، عليّ بردة مضطبع فيها بفناء أهلي، فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار، فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثًا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك يا فلان! ترى هذا كائنًا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار ويجزون فيها بأعمالهم؟ قال: (نعم والذي يحلف به [6] ، لود أن له بحظه من تلك النار [7] أعظم تنور في الدنيار يحمونه ثم يدخلون إياه فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النار غدًا) ، قالوا له: ويحك وما آية ذلك؟ [8] قال: (نبي يبعث من نحو هذه البلاد) ، وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه؟ قال: فنظر إليّ وأنا من أحدثهم سنًا، فقال: (إن يستنفذ هذا الغلام عمره يدركه) [9] .
قال سلمة: فو الله ما ذهب الليل والنهار [10] حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ، وهو [11] حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيًا وحسدًا، فقلنا: ويلك يا فلان! ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: (بلى وليس
(1) أي أن اليهود عندهم علم ليس عند مشركي العرب، لأن اليهود أهل الكتاب، فهم عندهم علم لكن لم يعملوا به، فهم مغضوب عليهم لأنهم لم يعملوا بعلمهم.
(2) قيل: إن إرم: عاد الأولى، وقيل: بينت مملكة عاد. ينظر تفسير ابن كثير لآية (7) من سورة الفجر، ولسان العرب 12/ 15.
(3) استفتاح اليهود على مشركي العرب هو ماذكر في هذا الحديث من قول اليهود: إنه قد تقارب - أي قرب - زمان نبي - يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم - يبعث الآن، أي أنه قد حان وقت بعثته، فنتبعه إذا بعث، ونقتلكم معه.
(4) رواه ابن إسحاق في السيرة: قصة الأحبار، ص63، ومن طريقه ابن جرير في تفسير الآية 89 من البقرة بإسناد حسن، وسيأتي هذا الخبر مطولًا قريبًا إن شاء الله تعالى.
(5) (بنو عبدالأشهل) فخذ من الأنصار، وكانوا بالمدينة.
(6) أي أن اليهود أقسم أنه يود صلى الله عليه وسلم إلخ، ولم يذكر سلمة الأمر الذي أقسم به اليهودي.
(7) من عقائد اليهود أن كل واحد منهم سيدخل النار مدة يسيرة ثم يخرج منها، كما أخبر الله عن ذلك بقوله: {وقالوا لن تمسّنا النارُ إلا أيامًا معدودة} [البقرة: 80] . فعند اليهود أنهم سيدخلون النار أيامًا معدودة، قيل: إنها الأيام التي عبدوا فيها العجل، وقيل غير ذلك. ويزعمون أنهم سيخرجون بعد هذه الأيام المعدودة، والحق أن من مات منهم على دينه بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو قبله وهو مشرك وعنده علم، فهو خالد في نار جهنم، أعاذنا الله منها.
(8) أي ما علامة صحة وجود البعث والجنة والنار والجزاء.
(9) أي أن هذا الغلام - وهو سلمة - إن يكبر ولا يموت وهو صغير فسيدرك مبعث هذا النبي لقرب مبعثه.
(10) كأن هذا مثل يضرب لقرب حصول الشيء، أي لم نجلس إلا مدة حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم .
(11) أي اليهودي.