ربِّ أعِنْ ويسِّر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين مُحَمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:
فإن الدعوة إلى الله وتعليم الناس الحق والجهاد في سبيل الله تعالى هي أعمال الرسل الكرام، وهي أجلُّ أعمال الوجود، لا ينهض لها إلا المهتدون، ولا يصبر عليها إلا ذوو العزم والثبات واليقين، ولمّا كانت العقائد مرتبطةً بمناهج أصحابها في الدعوة والبيان والمواقف والأحكام، كل واحد من هذه تلقي معاني على أخرى، وهذه كلها مأسورة بالأهداف والتي هي في دين الله وعود الحق التي وعد بها أنبياءه وأتباعهم، كان على العامل في هذه المهمات الجليلة أن يسير في دعوته وبيانه ومواقفه متّبعًا، كما قال الله تعالى لرسوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [1]
ومسيرة العامل مرسومة جلية بمشقّاتها وغَمَراتها، كما هي جلية في إغراءات الخصوم وعداوتهم، وهي بيّنة العواقب لكل الفرق والمواقف.
كل ذلك في كتاب الله تعالى، فالقرآن الكريم في الكثير من سوره وآياته يهدي العامل ويبصّره كما يحذّره وينبّهه حتى يكون على نور من ربه بلا الْتِباس.
إخفاقات الدعاة والدعوة في الوصول إلى الوعود لها أسبابها، والواقع يبيّن أن الكثير من أسباب هذه الإخفاقات يعود إلى ترك الهداية القرآنية في مناهج هؤلاء الدعاة، وإلى أخطائهم في اتخاذ المواقف بعيدًا عما كان عليه الأنبياء في سيرهم ومواقفهم، وهذا العِلمُ القرآني هو ما يلزم الاجتهاد في استنباطه من القرآن اليوم؛ لأن المعاصي الحاضرة كل واحدة منها كانت تستدعي بعثة نبي - كما سيتبيّن لقارئ هذا الكتاب -، ولن يصل الداعي إلى النصر الذي وصل إليه الأنبياء إلا بلزوم غرزهم وهدايتهم، والتنكّب عن هذا الغرز والهداية جناية عظيمة على دين الله تعالى وقيمه وأحكامه.
لزوم طريقة الأنبياء في المواقف التي تعترض الدعاة شاق، فيه المحن، وسيعاني منه المهتدون كثيرًا بلاءً وفتنة واختبارًا، وهذا يوجب عليهم الصبر الطويل، ولن يعينهم على هذا الصبر إلا اليقين على ما هم عليه وأن وعود الله تحفّهم وتسير معهم فإن جاء قدَرُها الذي قدّره
(1) يونس: 109