فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 186

الله فلن يردها راد.

لقد آمنتُ بأن القرآن أولًا، ولكني تيقنتُ أن رفع شعار العودة للقرآن لا يكفي دون أن يهتدي الدعاة بهداية القرآن التفصيلية، والتي لا يبلغها المرء إلا بأن يحبس المرء نفسه على القرآن متدبرًا معتبرًا، وإلا يبقى الشعار مجرد كلمات يقولها الناس ثم إن اختلفوا في شيء لم يعودوا إليه بل استحسنوا على وفق مقتضيات نفوسهم واختياراتها، وهذا كما هو شأن فقهاء الرأي والاستحسان من المعاصرين، إلا أنه كذلك طريق العاملين للدين في الدعوة وإعادة إحيائه وإزالة الغربة عنه، وحتى لا يبقى هذا الكلام اتهامًا بلا دليل، وحتى نمارس العودة للقرآن حقيقة وواقعًا وليس شعارًا فقط كان هذا الكتاب، وهو تفسير سورة العنكبوت، يأتي بعد قراءة وتدبر سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الغزوات كما قالها الله كلمات في كتابه، ويأتي بعد قراءة حادثة كسر الأصنام التي أتاها الحكيم إبراهيم الخليل - عليه السلام - ليشكل مع هذه وغيرها منهجًا يُبنى من الكتاب قبل كل شيء؛ لأنه الحق، ويقتصر عليه لأن في الشفاء لأمراض المسلمين قبل غيرهم، ولأمراض الدعاة لأنهم أحق الناس أخذًا بهذا الشفاء الحق.

لقد اخترتُ سورة العنكبوت هنا لأسبابٍ عدة، سيعرف البعض أسباب هذا الاختيار بعد قراءة هذا الكتاب، ويكفي أن تكون مغرية؛ لأنها منذ مطلعها تعالج قدر الإيمان وهو الابتلاء. وعند الفحص يتبيّن أن السورة تعالج موضوعًا إيمانيًا عظيمًا؛ هو الهجرة في سبيل الله تعالى، كما أنها منذ الابتداء تحمل التحدي في معرفة مكان نزولها، أمدنيّةٌ هي أم مكيّة؟!

وأهل الابتلاء اليوم بحاجة لهذه الوصفة الربانية العظيمة، فكان أن أقدمتُ عليها، عشتُ معها في وحدتي فريدًا، عالجتُ بها نفسي قبل غيري، وكانت ترمِّمُ ما يلحق بي من هناتٍ أو ضعف؛ لأن التساؤلات كثيرة، وموجة المراجعات صارت ظاهرة العصر عند من كانوا إخوة طريق وهدف، فكان لا بُدَّ أن أتقفر نفس الطريق، فلماذا لا يكون لي مراجعات كغيري قبل الذهاب إلى القبر وملاقاة الله؟ وهل غير كتاب الله يحلّ الاشتباك بين المؤمنين به؟ وهل هناك أعظم من أن يعرض المرء نفسه وواقعه على كتاب الله فتدخل الوقائع والأحداث والأشخاص والجماعات في أحكامه وشخصياته حيث يعرف كل واحد مثله فيه، ويرى موقفه الذي اتخذه في كلماته وقصصه؟

لو كان التعامل مع غير الله لقلتُ غير هذا، ولي - بفضل الله - عقلٌ أعرفُ منه قدرَته عندما أعرضه على عقل غيري، ولي قلمٌ - بفضل الله - أعرفُ منه سطوَته عندما أجري به في ساحات النزال والجدال، لكن كل هذا لن ينجيني عندما يقف المرء بينه وبين ربه ليقول في دين الله ما ليس منه؛ فالله لا يرضى من عبده إلا الصدق، ولا يقبل منه إلا أن يأخذ الأمر من مظانه، فهما شرطا النجاة، الإخلاص والصواب، فمن غير صدق مع الله، ومن غير طلب الهداية من كتاب الله ومن لزوم طريق الأنبياء لن ينجو المرء في هذا الزمن الذي كثرت فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت