الصفحة 68 من 100

وأيضًا: لما قيل لأبي جعفر المنصور-الخليفة العباسي-: (يا أمير المؤمنين، هل بقي شيء من اللذات لم تنله؟ قال: شيء واحد، قالوا: وما هو؟ قال: قول المحدث للشيخ: مَن ذَكَرْتَ رحمك الله، فاجتمع وزراؤه وكُتَّابه، وجلسوا حوله-نفاقًا وتزلفًا للسلطان-، وقالوا: ليُمل علينا أميرُ المؤمنين شيئًا من الحديث، فقال: لستُ منهم، إنما هم الدنِسة ثيابُهم، المشقَّقةُ أرجلُهم، الطويلة شعورُهم، روادُ الآفاق، وقُطاع المسافات، تارة بالعراق، وتارة بالحجاز، وتارة بالشام، وتارة باليمن، فهؤلاء نقلةُ الحديث) [1] .

وفي مثل هذا يقول يحيى بن أكثم-قاضي القضاة-: (جالست الخلفاء، وناظرت العلماء، فلم أر شيئًا أحلى من قول المستملي:"مَن ذكرت يرحمك الله".... ) .

أبعد هذه القصَص يُلاَمُ مَن قال:

من فاته العلم وأخطاه الغنى * فذاك والكلب على حدّ سَوَا

وحقًا إذا رأيت شابًا لا يطلب العلم فارحمه، ولا تلمه، قال الحافظ الذهبي: (قال إبراهيم بن المنذر:(ما رأيت شابًا قط لا يطلب العلم إلا رحمته) . [2]

بينما الأعمش قال: (من لم يطلب الحديث أشتهي أن أصفعه بنعلي) ، وفي لفظ: (أُحِبُّ إذا رأيتُ الشيخَ لم يكتب الحديث أصفعه) ، ولهذا السبب: (لم يزل الأعمش يطلب حتى مات) [3] .

وما أحوج كثيرًا من شبابنا الملتزم إلى لطمات الأعمش، لأن شبابنا لا يصبرون على طلب العلم، لذلك يطعنون في العلماء ليرفعوا من خسة أنفسهم، ومن جهلهم، وليُسقطوا أئمتنا وعلماءَنا، فالطعن فيهم أولى.

(1) -انظر: (البداية والنهاية) (1/ 125/126) ، و (صور من صبر العلماء) (ص:30) .

(2) تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام (9/ 211/رقم:60) .

(3) -انظر: (شرف أصحاب الحديث) (ص:151/ 152/رقم:289/ 290/292) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت