الصفحة 38 من 44

إلا الحق، لكنها تتحول بعد ذلك إلى مؤسسة، والمؤسسة تصيرُ بعذ ذلك إلى مفهوم القبيلة التي يُوالى ويُعادى عليها، بل إنها تتحول عند الكثيرين إلى مصدر خدمةٍ مالي ومعنوي، وهذا ظاهرٌ لمن تأمل المدارس قديمًا والأحزاب حديثًا، فيكون هناك مبطلون من قادةٍ وأتباعٍ جَهَلة، كحال القبائل الجاهلية، فيدخل الهوى تحت مُسَمّى الحق الأول الذي تم به بناء المدرسة أو الحزب، وبهذا يعوق معنى الدين في نفوس أهلها وفي نفوس المراقبين لها، والأصل هو كما قال الشاطبي رحمه الله تعالى مرةً أخرى:"المصالح المجتلبة شرعًا والمفاسد المستدفعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية، أو درء مفاسدها العادية"اهـ

لقد صار المجاهدون إلى سورية الشام إلى أرضٍ بِكر قام أهلها لتحقيق دينهم ودنياهم فلا يفسد جهادهم الآخرون بحمل مشاكل مدارسهم وأحزابهم إليهم، هذا يقال لمن كان في قلبه تقوى وخوف الدار الآخرة، وخاصةً أننا نعلم أن هذه المدارس كلها حتى السلفية منها، وهذه الأحزاب كلها قد صارت إلى هذا الجهاد في زمن خريفها لا ربيعها، أي في أطوارها المتأخرة، وهي أطوارٌ تغلب فيه الأمراض، إذ لم يبقى من الحقِّ الأول الذي حملوه إلا الشعارات، وهذه مهمة العلماء اليوم في جماعات الجهاد، ومهمات الربانيين الذين يعيدون إحياء الحق وتجديده حتى تزول هذه الغربة بهذا الحق كما ذهبت الغربة الثانية، وهذا الجهاد اليوم كل المعالم فيه تدلُّ على أن ما وراءه من الخير ما الله به عليم، بل هو عندي باب الملاحم والفتن التي أخبر عنها - صلى الله عليه وسلم -، فاللهم اجعلنا من أهل الحق فيه، ومن عدوة أهل الإيمان والطائفة المنصورة بإذن الله تعالى.

وكما يقال عن مشاكل المدارس الفقهية والتنظيمات الحزبية يقال عن مشاكل المهاجرين في بلادهم، فإن بعض المبتدئين يحمل مشاكل مسجده إلى أرض الجهاد، وخلافات المشايخ الشخصية وليس الفقهية فقط، لذلك من الدين توسيد الأمر لأهل العلم والتجربة، وعدم تقدمة الشباب إلا في مواطن الجهاد وهؤلاء يجب أن يسلبوا كل صلاحيات الفتوى والقضاء والتحكيم الشرعي كما تقدم، فليس ظهور المرء في مواطن البلاء بعذر له أن يقضي في ما سوى ما يفقهه وإلا سيفسد أكثر مما يصلح، ولذلك يجب التنويه دومًا بوجوب تنصيب مجلس قضاء وحكم له الإستقلال، لا يكون تابعًا لتنظيم ولا لحزب، كما لم يكن القضاء في تاريخنا تابعًا للسلطان الشرعي نفسه، بل لا سلطان عليه إلا الكتاب والسنة، لذلك فظن البعض أنه بمجرد أن يكون إمامًا أو سلطانًا يخرجه من دائرة التدافع الشرعي من خلال السفهاء هو ظن جاهل لا يمت إللى الدين و العلم بصلة، والقاعدة القرآنية حاكمة على السلطان فما دونه في قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ}

فالباغي لا يكون بنص القرآن إلا الخارج عن حكم الطائفة المحكمة بين الطائفتين المتقاتلتين سواء كان أحدهما سلطانًا أم لم يكن، ولذلك كانت أمنا عائشة رضي الله عنها ترى أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت