فهرس الكتاب
وشجاعة وتوبةودعاء وتسبيح وعمل خيرات وخشوع وصبر، وبابها مفتوح يدعو رب العزة إليه وهو يخاطب أصحاب رسول الله (بقوله: (هَذِهِ أُمَّتكُمْ (، فهي النّسب، وهم الآباء والأجداد، فإذا كان الوجود البشري لا يتم إلا بالجماعة والأُمَّة، فإن هذا القرآن يُشَكّل الأُمم على قيم الأنبياء وأعمالهم، لا على نسبة الدم والأرض، فالأبوّة والأخوّة والنبوّة هذا أُسّها وقوامها. فالله يقول لهم إن أردتم نسبة الحياة، فهذه هي النسبة، وإن أردتم نسبة من في السماء: (وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ (.
لقد سارت هذه الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة بعيدًا عن حطام أقوامهم، معتزلين قيم الجاهلية، منتسبين لقيم الإيمان، فحصلت لهم الفرادة كخط الذهب الغريب بين ركام التراب ولا يبصره إلا أهله العالمين بجودته وقيمته، فقد مضى زمنٌ طويل، ودبّت على الأرض أرجل بشر لا يحصيهم إلا ربهم، لكن كانت أخية الإيمان تنصب في كل مرحلة وهي تعاني ألم الغربة، وبلاء المرحلة، فتبصر وتدعو وتثبت وتواجه، وكلما ازدادت عليهم ظلمة الابتلاء زادت فيهم إرادات الصبر وإرادات اليقين، فحصل لهم الحب الإلهي إذ ينظمهم سلكًا واحدًا؛ أنتم أهل طاعتي وأهل حُبي، وأنتم أهل رضاي وأهل جنتي.
هذه الفرجة الإيمانية التي ترسلها هذه الآية للصحابي المهتدي فيأنس حين يهجره الناس، ويعاديه الأهل، وتطبق عليه الغمرات والخطوب، فيبصر فيها أمته التي سبقته على هذا السبيل، فليس هو أبتر لا نسب له، بل يرى أمامه الخليل ولوط ونوح وداوُد وسليمان وأيوب وإسماعيل وإدريس وذا الكفل ويونس وزكريا ويحيى ومريم - عليهم السلام -، فما يصيبه قد أصابهم، وما هو فيه قد عانوه من قبل، ومن باب ما عانوه ووقع هو فيه كان مدخل الالتقاء على نسب الصادقين والصابرين وتحقيق حب الله ودخول الجنان.
إن أنسابهم هم قد قطعت، وإن آباءهم قد حل بهم الخزي والهوان، فقد بدؤوا وهم يرون الضعفاء والمساكين على سبيل غرور وكبر وتبجح، ونسوا أن الله يمكر بهم، فسار آباؤهم إلى قليب كقليب بدر يتلومون ويعذبون، وسارت ركائب آباء هذه الأُمَّة آيات تتلى في كلام الله لتشعل للسائرين نور الطريق، وقوده الإيمان بالله والصبر والدعاء وفعل الصالحات.
(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ (هذا هو نسبكم إن كنتم مؤمنين، وهذه أعمال سلفكم في هذا النسب، وهي ما يجب أن تكون أعمالكم، فالأمر الأول الذي نجا به السابقون، هو الأمر الذي ينجيكم، فإن الدين واحد، وسبيل النجاة