فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 198

العورات، ويمنع النظر إلى المرأة كليًّا، وهو من باب الحياطة على أمر عظيم، فإن الشيء لا يزاد الحياطة عليه إلا لأهميته، وطروء الفساد على هذا الباب يعني فساد المجتمع كله، لأن المرأة هي الأم التي ترعى أبناءها وهي الزوجة والأخت والجدة، ففسادها فساد أبنائها وأحفادها، ولذلك فلا عجب أن يكون همّ الشيطان وجنده في كل زمان فتح الباب بل وكسره حتى تدمر قيم المجتمعات وأديانها، فيسهل قيادتها والتسلط عليها.

وقوله تعالى: (فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا (إنما كان عن طريق الملك كما في سورة مريم، والنسبة هنا في: (رُّوحِنَا (نسبة ملك، ولكن تكون النسبة للتشريف، وأمّا عيسى (فكما قال تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (.

وقوله: (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (فهي آيةٌ على عظمة الله وقدرته، وآية فارقة بين المؤمن والكافر، والله سماها لمريم بشرى كما في سورة آل عمران: (إِنَّ اللّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ (وهي بشرى لم تقع إلا بالألم والابتلاء قالت: (يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (.

وضرب المثال بمريم - عليها السلام -، وليست هي من الأنبياء فإن الله قال: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالا نُوحِي إِلَيْهِمْ (لأنها تحقق المراد الإلهي في هذا السياق، وهو أن آيات الله بالنصر والتأييد وبالحب تقع على معاني في البشر، وهي معاني لا تتحقق في الملائكة كما تَقَدَّم، ولأن في رفع مثال هذه الصديقة يحقق الأسوة لمثيلاتها من المؤمنات في هذه الطاعة العظيمة، والمرأة المؤمنة في إحصان زوجها وستر بدنها هي آية عظيمة في زمن الفساد، فإنها أقوى سلاح الإيمان ضد الشياطين وأعوانهم، فإن هؤلاء لا يغيظهم ويقتل قلوبهم وأرواحهم إلا حصانة المرأة المسلمة، وإنها لأشدّ عليهم من آلاف الرجال، وإن واقع المسلمين اليوم ليشهد على هذا، فإن النساء المؤمنات هن حلبة المعركة، وهن عدتها، كما أنها أنكى عليهم بما هي عليه من السلاح.

قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتكُمْ أُمَّة وَاحِدَة وَأَنَا رَبّكُمْ فَاعْبُدُونِ [1]

بهذه الخاتمة العطرة من ذكر أم عيسى سدد خطاكم تكون قد تشكّلت معالم الجماعة المؤمنة، وقوام أعمالها ودينها وخلقها، وعمد صفاتها ومهماتها، ليصبح الإنسان بعد ذلك خارج إطار الانتماء القبلي والمكاني، فيدخل في سلك لحمة الإيمان وحب الله ورضاه، فهذه هي النسبة التي يرفع الله سلاسلها العظيمة، فتتخلل التاريخ آباء دين وإيمان وخلق

(1) الأنبياء: 92

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت