فهرس الكتاب
لهم، لكن أكثر بني اسرائيل أبوا إلا أن يقولوا فيها ذكرًا كما قال تعالى في سورة النساء: (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (.
وفي هذه السورة يقيم الله للمؤمنين هذا المثال العظيم في هذه المرأة الصديقة، وجعل أعظَم عملٍ لها هو: (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا (.
والمرأة في القرآن والسُنّة ليست هي التي في أديان الباطل، فإن عامة الأديان الباطلة والمحرفة تتهمها بالرجس والخبث، والتوراة ترى أنها سبب إغواء آدم، والقرآن ينفي هذا صراحة، بل يعلق ذنب الأكل من الشجرة على آدم (كما في سورة طه فإن الله يقول: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (فكانت الوسوسة إلى آدم مباشرة دون الواسطة التي تزعمها التوراة، وأمّا قوله ?: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي (حيث قدّمها في الذكر على الرجل، فليس هذا لأنها سبب الإغواء في هذه الجريمة، فإن تاريخ هذه الجريمة الكبرى، أي الزنا، لا تدل أن المرأة سببها، بل الرجل هو صاحب إثمها، وإنما قدمت المرأة في الذكر لعظم جرمها، فإن عار الزنا على المرأة أشد، إذ يلحق أهلها أصولًا وفروعًا، فهي أعظم في الجرم، ولكون هذا الجرم أعظم في المرأة، فإن ضده؛ وهو إحصان الفرج هو أعظم أعمالها عند الله تعالى، ووصفها - عليها السلام - بهذا الوصف لأن هذه الجريمة قد كثرت في بني إسرائيل، فإن النبي (ذكر أن أول فتنة بني إسرائيل في النساء، وفي حديث فيه مقال أن سبب انتشار هذه المعصية هو حلق رجالهم لحاهم فزنت نساؤهم، ومن أسباب انتشاره تغييرهم حد الزنا، فإنهم تركوا الرجم وجعلوا التحميم بدلًا منه.
وقوله: (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا (دليلٌ على أن دفع المرأة هذه الجريمة الكبرى، وهي محلها، هو عملها الواجب عليها، فإن ما تقدم ذكره من أعمال الأنبياء السابقين كان فعل، وها هنا ترك، وهو في حقيقته دفع منها للخبيث الطامع، فكان دفع المحل منعًا له من اقتراف معصيته، فإن الدعوة فعل في الآخر، والذكر والدعاء استجابة فعل لأمر، والوجود الإنساني ليس كله كذلك، بل قد يقع أن يكون المجتمع محلًا للفعل، فالطاعة حينئذ دفع هذا الفعل كما تدفع المحصن الرزان عن نفسها حيالة الخبيث، وهذا هو الواجب وبه يتحقق العطاء الإلهي لهذا المجتمع.
وهذا الجزء من الوجود الإنساني، وهو المرأة هو من أخطر الأبواب، ولذلك أمر الله بصيانته ودفع كل ما يفسده، فمنع النظر والخضوع بالقول والخلوة والسفر لها بلا مَحرم، ولا يوجد في الوجود ما يمنع النظر إليه سوى