فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 198

وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ? أُولَائِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [1] فهي الآخرة الحاضرة في قلوبهم، فيدعون ربهم رغبًا بجنته ورهبًا من ناره، وهم في ذلك كله أهل خضوع وتذلل لربهم ?.

فهذا عمل واجب الوقت بمسارعة: (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (.

وهذا دعاء التوفيق ليحقق الله المقاصد عند أداء هذا الواجب: (وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا (.

وهذا عمل القلب المصاحب لذلك كله، فلا منّ بالعمل: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (ولا غرور به فإن الضعف محيط بكل عمل الإنسان: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (حتى مع نصرهم كما دخل إمام المرسلين مكة على حال هذه الآية: (وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (.

لم تكن هذه صفة السائل زكريا (فقط، بل صفة هذه العائلة المباركة، زوجًا وزوجةً وابنًا.

فإن أردت استجابة الدعاء فقدم بين يدي دعائك عملًا صالحًا من الصلاة والصدقة والبر والإحسان، وأكثر من ذلك فإن هذا يفرح الله، ثم قم بين يديه سائلًا وأنت موقن بالإجابة، فادعه أن يحصّل لك الخير كله، ويصرف عنك الشر كله، فإن قضيت دعاءك، فابقَ على حال من التذلل والتواضع، وإياك والمن والغرور والإطمئنان بأنك صالح، بل ليصاحبك الوجل والخوف والخشوع، فإن الله وصف عباده بقوله: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (فلم يوقعهم هذا العمل في الاطمئنان بل استغفروا ربهم بعد ذلك فقال سبحانه: (وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (.

قوله تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ [2]

في كل المواطن التي ذكرت فيها مريم - عليها السلام - في القرآن كان يسبقها ذكر زكريا (، فإن آيته مقدمة لآيتها، فإنه بعدرق عظمه وشاب شعره وكبر عمره، وكانت امرأته عاقرًا، وهي مثله في الكبر جاءه بحيى (، وهذه لا يمكن أن يقع فيها الإتهام، لا له ولا لزوجه، ثم كانت آية مريم - عليها السلام -، وقد جعل الله على هذه الآية دلالات وليس مجرد الدعوى منها، فقد أقام الله آية كلامه معهم وهو في المهد، وعلم التوراة من غير معلم، فكان هذا كافيًا للمؤمن بأن يعلم أن دعوى مريم - عليها السلام - دعوى صدق، وأن الله جعله آية

(1) المؤمنون: 60 - 61

(2) الأنبياء: 91

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت