فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 198

إنها البشرية التي تحقق الحب الإلهي في ضعفها وألمها وحاجتها وكذلك في ذنوبها، وهي التي تحقق نصر الله على قوى الآخر بضعفها وغربتها، كل ذلك من خلال سبيلٍ واحد هو سبيل هذه الكلمة العظيمة التي ترنو إليها قلوب العابدين، فهي أغلى عليهم من أرواحهم، يعيشون من أجلها، وفي كنفها مع كل خطوب الحياة وملماتها، وكل منعرجاتها وأحوالها إنها: (فَاسْتَجَبْنَا (؛ تبكي لها عيونهم إن تحققت عند الذنب، وتبتسم لها وجوههم إن تحققت عند البلاء، ويزداد يقين قلوبهم إن تحققت عند اشتداد الخطوب ومكر الخصوم، ويحمدون العطاء إن نظروا في كتاب الله أو في سُنّة رسوله (فيفتح لهم باب فهم، ذلك لأنهم لا يسألون سواه، ولا يخافون إلا إياه، ولا يرقبون إلا باب عطائه، فكل شيءٍ بيده، فهي الفارق في داخل هذه الشخصية المهتدية بين موقفين، فهم أشجع الخلق أمام الخطوب والخصوم، وهم الضعفاء أمام ربهم فيسألونه ليتحقق لهم واقع هذه الكلمة: (فَاسْتَجَبْنَا (وهم أغنى الناس عن الخلق، لكنم الفقراء أمام ربهم. فبها تتحقق قدرتهم، وبها يتحقق غناهم، فهي مدخلهم إلى النصر ومدخلهم إلى الاستغناء عن الآخرين.

إن هذه الكلمة العظيمة هي سرُّ قوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ (ذلك بأنهم صدقوه فصدقهم.

وقوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى (، لقد أعطاه الله ابنا، وأعطاه اسمًا، لم يُسم به أحد قبله: (لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (فهي هديةٌ خاصة لها سماتها التي تحمل حب الله لعبده كما حمل الدعاء حب العبد لربه.

وقوله: (وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ (فقد شكى أنها عاقر لم تلد من قبل، فكان أمره بأن أصلح ما فيها فصارت ولودًا، فهو سبحانه: (وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا [1] فهو المانع وهو الرزاق سبحانه.

وقوله: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (

إنها شروط إجابة الدعاء، وتحصيل المراد من بين يدي الرحمن الرحيم، فهم أهل الطاعات، يأتوها على جهة الغربة بلا تردد، وبسبب دون إبطاء وسبب ذلك ما قاله الله في سورة المؤمنون: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ

(1) الشورى: 50

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت