فهرس الكتاب
والقصد من عرض هذا النموذج النبويّ العظيم هو ما تقدم لك، فإن أنبياء الله بشر يحبون ويشتهون، وتجري عليهم سُنَن الخلق في الحياة الإنسانية، فزكريا (أراد ولدًا، لأن الإنسان من غير ولد بلا مستقبل، يموت كله حين تنتهي حياته، وأما بالولد فإنه يحيا الحياة كلها، والابن للإنسان خير من نفسه، فإنه يموت من أجله، ويدفع روحه ثمنا لبقائه، ولذلك قدم الله في آية المباهلة الولد والزوجة قبل النفس فقال: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [1] وفي هذه الآية يطلب الولد لحياته قبل الوفاة، وأمّا في سورة مريم فطلبه لوراثته، وهذا الطلب هنا من الثقة بربه، فأن يلد له الولد ليرثه أمر عظيم، ويكون أعظم أن يلد له الولد ليكبر الولد في حياة أبيه فلا يجعله فردًا، ولذلك طلب غلامًا، فليس ذكرًا فقط، بل أن يبلغ معه وفي حياته مبلغ الغلام.
وقوله: (وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (من الأدب النبوي في القرآن، فإنه كقول أيوب (لما أمطرت الدنيا جرادًا من ذهب فجعل أيوب (يحثو في ثوبه فناداه ربه ?: يَا أَيُّوُبْ؛ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيّتُكَ عَمَّاَ تَرَى؟ فقال (: بَلَى يَا رَبِّ، وَلَكِنْ لا غِنًى لِي عَنْ بَرَكَتِكَ. فإن قول زكريا (هنا كأنه اعتذار إن قيل: ألست وارثًا لك؟ فكان الجواب قبل ذلك: (وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (، إنه أدب العاملين بربهم، والذين يراعون نظره ?، فما أسعد من عبد ربه في السرّاء والضراء على نورٍ منه جلَّ في علاه، وما أشقى من جهل ربه فانتكس في السرّاء والضراء.
وقوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى (؛ فهذا عهد السائلين له أن يستجيب لهم، فهم البشر الفقراء، وهو الربُّ الغني الذي يبسط يده ليجيب سؤالهم، ولعلك الآن قد أدركت من مراد عرض بشرية الرسل، وأنهم خلقوا محتاجين، يأكلون الطعام، ولهم أجلٌ محدود ثم الممات، وأن مقصد هذا العرض أن قدر الضعيف يرفع ويحمد حين يسأل الغني، فبسؤاله للغني اعترافٌ بالضعف، وجبرله كذلك، فهب أن هذا النبي المرسل للبشر كان ملكًا لا يأكل ولا يشرب، ولا يمرض، ولا يتزوج ولا يتوالد، ولا يعرض له عوارض الألم والشوق، ولا عوارض معاناة الداعي الإنساني مع قومه، فلا يتعب تعب الإنسان، ولا يغضب غضبه، ولا يذنب ذنبه، فهل سيلتجاء إلى ربّه في التجاء المنادي المستغيث الذي يرقب قضاء حاجته على لهفة وشوق؟ وهذا الملَك الرسول إن لم يكن كذلك باطنًا وظاهرًا فكيف تتحقق به الأسوة لأُمّته؟ ثم لو كان هذا الرسول بقدرة الملَك الذي لا يقدر قومه على حرقه، كيف ستقع آيات الله بنُّصرة الإنسان الذي ينجيه الله من الحرق؟
(1) آل عمران: 61