فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 198

وفي سورة آل عمران كما في سورة مريم تساءل زكريا (: (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ [1] هذا مع أنه السائل، فكيف تعجب؟

والجواب: أن لوقائع الأحداث على القلب لمة غير لمة العلم، كما أن لطلعة الأحداث حين تقع الفجأة معاني لا تكون لغيرها، فها هو موسى (يخبره الله بما أحدث قومه من بعده من عبادة العجل، فلما رأى ذلك بأم عينيه قال الله تعالى: (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَاسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ (. فزكريا (وإن سأل الولد لما عاين آثار القدرة بالكرامة الواقعة لمريم (وكان من أدبه أن طلبه على معنى معين، وليس لمجرد الولد، مع أن طلب الولد أمر فطري كما تقدم، إلا أنه قال: (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً (وقدم مقدمات لهذا الطلب هي على معنى التعليل له، وتعليل الطلب هو من القربى إلى الله، فإن الله يعلمها لكن يحب أن يسمعها من العبد كقول الرسول (:(( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ لا تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ ) )، وكقول عيسى (حين طلب المائدة: (قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (ومن أدب عيسى (مع ربه أنه غير ترتيب طلب الحواريين، فإنهم قالوا: (نُرِيدُ أَن نَّاكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ [2] فغير ألفاظهم لتناسب أدب الخطاب مع ربه، وهو باب عظيم الشأن في القرآن، فإنهم قدموا الأكل، وهو آخره، وجعلوها آية صدقه، فأسقط كل لفظهم واستبدلها خيرا فقال: (وَآيَةً مِّنكَ (وجعل أعظم أسباب الطلب: (تَكُونُ لَنَا عِيدًا (والعيد أمره في دين الله تعالى يقوم على الذكرى لعوده كل عام، فيذكروا الله فيه، ويحمدوه على نعمه.

والقصد أن تعليل الطلب ينبئ عن الأدب، كما أنه يحصل القرب من المسؤول فقال الله عن زكريا: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا ? قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّاسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا ? وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَاءِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا ? يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (وكلمات زكريا (هذه قد أحاطت الحال كله، كما بلغت منتهى التقرب والتذلل عند السؤال، فإن السؤال للعظيم لا يكون إلا مع الثناء. وهنا في سورة الأنبياء قال: (لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (.

(1) آل عمران: 40

(2) المائدة: 113

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت