فهرس الكتاب
القرآن تمثلًا بنبيٍّ عظيمٍ يدلك على حبِّ الله تعالى لهذا المقام، وحبه كذلك للداخلين فيه، والأنبياء هم أعظم الناس، وهم أولى من غيرهم في مقام التوبة والاستغفار.
قوله تعالى: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ? فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ [1] (
وهذا نمودجٌ آخر، نبيٌّ عظيمٌ، أُظهرت صورة عرضه أجلى ما يحمله الإنسان من فطرة، ذلك بأنهم اختلفوا: هل معلم الرجل الأول في حاجتة للمرأة أم حاجته للولد، فإن الإنسان وهو من الإنس عنوان إنسانيته أن يكون له زوج وأن يكون له ولد، لأنها مظهر حاجته وضعفه، والله ? لأنه القائم على كل نفس بما كسبت، وهو الغني قال عن نفسه: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ (فالربوبية عنوانها الغنى المطلق، والإنسانية عنوانها الضعف والاحتياج، وأبرز خصال هذا الإنسان في ضعفه واحتياجه أن وجوده لا يتم ولا يتواصل إلا بالزوج والولد، فهما عنوان إنسانيته.
وزكريا (بشرٌ يوحى إليه، بين أضلاعه شوق الإنسان وضعفه وحاجته، عاش حتى كبر وقال عن نفسه: (وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (وقال: (وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ (وقد كان أن كفل مريم - عليها السلام - فكان يدخل عليها وكان: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (.
وزكريا (يعلم أن الله على كل شيء، وأنه ? إذا أراد شيئا أنفذه، لكن رؤية القدرة وآثارها أمر يثير في النفس معاني الإطمئنان، وهو أمر زائد عن الإيمان كما قال إبراهيم (: (بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [2] فلمّا رأى هذا دعا ربه كما قال تعالى: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (؛ فاستجاب له دعاءه كما في هذه السورة وعلى الوجه الذي قاله سبحانه في سورة آل عمران: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (.
(1) الأنبياء: 89 - 90
(2) البقرة: 260