فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 198

وهي دليل أن الاستغفار سببٌ لرفع البلاء كما قال (لقومه: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (وذلك لما وقع بهم البلاء فاطيروا به وبمن آمن معه.

ونوح (يقول: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ? يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا ? وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [1] فهذا إيمان خاص يحصل به النجاة من الغم وظروفه. والاستغفار موقفٌ عملي كما هو معنى قلبي ولفظ لساني، فالمستغفر يقول لفظه بلسانه، ويندم في قلبه، وأمّا العمل فهو الخروج من الذنب وتركه. ولا يقع الخروج منه إلا بإتيان الحسنة التي تقابله كما قال الله تعالى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ (والحسنة التي يدخل منها لتمحى بها السيئة هي ما كانت على الضد من معناها، فإن تارك الصلاة يؤمر بعد توبته وإقامته الصلاة بالإكثار من النوافل، وكذلك الصيام، ومن تابَ من غيبة أحد عليه الاستغفار له والإحسان له والدعاء له، وكذلك حين تقع الأُمَّة في معصية ترك الجهاد، فيحل بها غضب الله من تسليط الأعداء عليها فإن توبتها أن تعود إلى الجهاد والإعداد له لترتفع آثار ترك الجهاد، وهكذا، أمّا الظن أنه بمجرد القول اللفظي يحصل رفع الإثم أو أثره فهو ظن غير صحيح، وقد علم أن المرتد لا يعود إلى الإسلام إلا من الباب الذي خرج منه، فكذلك بقية المعاصي هي على هذا المعنى والقياس.

وقوله: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (هذه قاعدةٌ قرآنية، وهي تفيد في هذا الموطن أن كل بلاء وقع منه المرء بسبب ذنبه فاستغفر فإن الله منجيه منه بإيمانه، وإيمانه هو توبته كما تقدم، ولذلك قال تعالى في سورة الأعراف: (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (فقد ذكر هناالإيمان لأنه موطن اتخاذ بني اسرائيل العجل إلهًا لهم، وهذه معصية توبتها بالإيمان، وأما قوله سبحانه في سورة النحل: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (فهي عامّة، وإصلاح بني إسرائيل بعد اتخاذهم العجل إلهًا هو الإيمان فخص به في موطن.

وبهذا تعرض هذه الشخصية النبوية العظيمة التي قال عنها رسول الله (:(( لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى أَخِي يُونُسَ ) )، وهي كلمةٌ قالها (منعًا من أن يقع في قلب المهتدي بالقرآن شيئا يغمط حقَّ النبي يونس (ومقامه وهو يقرأ ما وقع منه وله، فإن الله اجتباه وجعله من الصالحين، وجعله رسولًا مرة أخرى كما تقدم، وذكر مقام التوبة في

(1) نوح: 10 - 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت