فهرس الكتاب
الذي هو فيه سبب لبعث الرحمة في نفس الرحيم الرؤوف، ثمّ ذكرت صفته سبحانه بأنه أرحم الراحمين، أمّا المذنب فلا يقدِّم في خطابه ذنبه، فذكره مهيج للغضب، فالستر له أولى في أول الخطاب، وإنما يبتدئ بمدح الغفور وتعظيمه على وجه التكثير، فوحد الله وسبحه، ثم اعتذر عن نفسه بقوله: (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (.
والقرآن يعرض حالة أيوب وحالة يونس سدد خطاكم ليعلم أهله أن البلاء في النفس والبدن والمال له أسباب في نفس الرب جلَّ في علاه، وكلها خير للمؤمن، فإنها ترفع الدرجات وتحط الخطيئات وتعرف مقام العبد وتدخله في مقامات الصبر التي يحبها الله لعباده.
وقوله تعالى: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (؛ هذا العهد بالله تعالى، وهي صفته جلَّ في علاه، فإنه سميع الدعاء كما قال الخليل (: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء (فقد أخرجه الله من الظلمات وقال كما في سورة الصافات: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ ? وَأَنبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِّن يَقْطِينٍ (.
وفي سورة نون، حصل له أكثر من هذا وهو قوله تعالى: (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (، ثم كان أن أرسله الله رسولًا فقال: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ? فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (وقد اختلفوا هل أرسل إلى قومه السابقين أَم إلى غيرهم.
والغم في هذه الآية ليس المقصود قصرًا هو ما فيه من البلاء وأنه في بطن الحوت، بل أعظم منه غم الذنب كما قال تعالى لرسوله (: (وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ ? الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (فإن كلمة يونس (تدلُّ أن همّه أن يغفر الله له، وهذا من علمه بأن الذنب سبب ما هو فيه، فانشغاله بالذنب ليغفر موصل لغيره برفع البلاء.
وقوله: (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (مؤيدٌ لهذا المعنى، فإن الإيمان المطلق والذي يحصل بالاستغفار والخروج من الذنب يحقق النجاة، فهذه نجاة بالإيمان من الذنب وعواقبه، وأمّا قوله سبحانه في سورة يونس: (قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ ? فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ ? ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ (فهذه نجاة الأنبياء وأتباعهم حين نزول العذاب على أقوامهم. وهذه الآية دعوةٌ ربانيةٌ بالدخول في الإيمان للخروج من كل غم، وما كان في معناه وهو قوله (:(( إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِر اللَّه فِي الْيَوْم مِائَة مَرَّة ) ).