فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 198

كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ? إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (فقارن بين هذا الشيء القليل وعقوبته، وبين ما يفعله البعضمن الدخول معهم في دينهم، فماذا هي عقوبته إذًا؟

ولعلك لم تنسَ أن يونس (لم يقل هذه الكلمة مرة ثم حصل له النجاة، ولا أنه قالها الآن فلفظه الحوت إلى البر، بل تأمل قوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (وهذا وصفٌ لا يحصل عليه المرء إلا بأن يصبح له سجيته، وأمّا من قال من أهل العلم إن هذا وصف له قبل الفعل فصدقوا، هو كذلك (من المُسبحين قبل الذنب، لكن ليس هذا مراد الآية، فإن القرآن يفسّر بعضه بعضًا، والتسبيح المذكور في سورة الصافّات هو ذكره هذا كما في سورة الأنبياء. والقصد أنه جعل يذكر ربه بهذا الذكر، ويلهج به لسانه مناديًا ربه حتى تحقق له النجاة على موعد رباني وقدر إلهي كما قال تعالى: (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (.

واعلم أن الكلمات في البلاء تنشأ من المعاني الحقيقية في القلب، فإن المرء في البلاء الشديد لا اختيار له إلا ما كان في قلبه على الحقيقة، فهناك تظهر مكنونات حقائق النفوس وما فيها من المعاني، وهذا بخلاف السعة، فإن للمرء فيها اختيارًا، ولذلك قال إبراهيم (عند مواجهة بنيان الجحيم: حسبنا الله ونعم الوكيل، وهنا يقول يونس (: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (، فقد ذهب الغضب على الآخرين، ولم يبقَ إلا النظر إلى نفسه وعمل يده، ولذلك قال تعالى: (إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (فصلى الله عليه من نبي عظيم هو على سيرة إخوانه من الأنبياء كما قال الله عن إبراهيم (: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (ويونس (هنا حقًا وصدقًا أواهٌ منيب.

وها أنت ترى كيف غضب الرب جلَّ في علاه، وكيف أطفأ العبد الصالح غضب الرب بمدحه، فوحده وسبحه ونسب الذنب والظلم لنفسه ففرح الرب ورضي عنه وقال: (فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (. وعلمك هذا بربك هو من خير علوم الوجود، بل هو أصل العلوم، فإن أول ما علمه آدم (من نفس ربه ومولاه، هو قبول التوبة، وأن العبد يعود بعد التوبة أحبُّ إلى الله وأقرب.

ولعلك تلاحظ فارقًا بين نداء أيوب ونداء يونس سدد خطاكم، فأيوب (قدَّم حاجته قبل مدح الله تعالى، فعرض ما فيه من الضر ثم قال: (وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (، وأمّا يونس (فقد ذكر ربه بالتوحيد والتسبيح ثم ذكر حاله وقال: (إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (والسبب هو اختلاف الحالين، فأيوب (كان حاله البلاء، وذكر المرء البلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت