فهرس الكتاب

الصفحة 160 من 198

فكان دعاؤه هو تسبيحه كما قال تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (وهو هذا الدعاء والاستغفار والتسبيح: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (، وقد ذكرت سابقًا في تفسير سورة الإسراء وجه الجمع بين التسبيح والاستغفار، فإن الذنب ظلمٌ للنفس، وظلمٌ لحقِّ الله تعالى، فالتسبيح ردٌ لظلم حق الله، فإن الذنب يؤذي الرب ويغضبه، وتسبيحُ الله تنزيهه بأن الذنب لا يليق به، والاستغفار رفع لظلم النفس، فاقترن التسبيح بالاستغفار كما قال أصحاب الجنة كما في سورة نون: (قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (.

وأمّا توحيده هنا بقوله: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (فإن الذنب خدشٌ لمقام التوحيد، فإن العبودية التامّة التي تفيدها هذه الكلمة تقتضي عدم الذنب، ولَمّا يكون فهو خروج عن العبودية بحسب الذنب، فتوحيد المرء لربه استغفارٌ من هذا الخدش والخروج، ولذلك كانت كلمة التوحيد عند إسلام المرء مكفرةً لذنوبه التي أتاها قبل، فإن فعلت ذلك في ذنب الكفر ولواحقه، فهي أدعى لأن تمحو ذنب المسلم حين يقترفه بعد إسلامه، ولذلك قال يونس (: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ (ليقرّ بأن ما فعله خروج عنها بنوع ما، فها هو يتوب بعودة العقد وتجريده كما قال رسول الله (في الحديث الذي رواه أحمد وقال المنذري:"إسناده حسن": جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قيلَ: يا رَسُولَ الله، وكيفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.

وقوله ?: (فَنَادَى (أي أن قوله دعاء واستغاثة، وفي سورة الصافات سماه تسبيحًا لقوله: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ (، فجمع (هاتين الفضيلتين.

وأنت لو تأمّلت هذه الكلمة اليونسية العظيمة لرأيت فيها نفسًا ممدودًا في حروفها تناسب النداء، وتناسب حال هذا العبد الماكث في ظلمة حوت طائف به في لجة البحار.

وقد قدّمت لك حتى لا تسأل: هل هذه العقوبة تناسب الفعل؟ فإن الله سبحانه القائل: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ? لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (وهو النبي الذي اختاره الله لأعظم المهمات، والله لا يختار لها إلا المصطفين الأخيار، ويونس (منهم، لكن هذا لتعلم عقوبة التقدمة على أمر الله، وذنب القول عليه، وجريمة العامل في هذا السبيل غير ما شرّعه الله وأذن فيه، فهذه عقوبة، والله يقول لرسوله (: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت