فهرس الكتاب
الإلهي ليس قاصرا على عمن مضى من حملة العلم، فهم يعرِّضون عقولهم وقلوبهم إلى نفحات الفهم الإلهي، فإنها لا تنقضي حتى مع انقضاء الرسالة وهي أُمَّة الصابرين والتائبين والواعدين و المسبحين والسابقين بالخيرات.
هذه حقيقة الأُمَّة القرآنية، وهي في سموها وربانيتها إلا أنها بشرية الحركة، إنسانية القانون، يصيبها ما يصيب كل البشر، فليسوا ملائكة، لكنهم إن صوّبوا آبوا، وإن أخطأوا تابوا: (وَلَمْ يُصِرُّوا على مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (.
والقرآن حين يعرض مقومات الأُمَّة لا يعرضها قانونًا بلا مثال، ولا كلمات بلا حقائق، بل يُقَدِّم هذه المقومات بسلسلة النور التاريخية التي حملها رجال فيهم آمال وآلام الإنسان، فالنبوّة في القرآن ليست حالة فوق مستوى البشر، بل هي الإنسانية التي تتحمّل أعباءً وآلامًا أكثر من غيرهم من البشر، فليس لغيرهم العذر أنهم ليسوا أنبياء، بل الحقيقة أن الأنبياء يصبرون فوق صبرهم، ويلاقون أشدَّ مما يلاقونه، فالقول الصحيح أن يقولوا إننا أولى بالحمل والصبر لأن ما نعانيه أقل، وأن البلاء الذي فينا أدنى، فليس من شيءٍ يقع على أتباع الأنبياء إلا وقد وقع أشدَّ منه وأقسى على الأنبياء، ومع ذلك حققوا رضا الله، فلم يضعفوا ولم يدهنوا.
بهذه النماذج القرآنية يتم الإجابة التفصيلية على كل أسئلة الأُمم والأفراد، فإن الأُمم التي تستعبد بالآلهة الباطلة حلها رشد إبراهيم (، وهو دكُّ هذه الأصنام والبراءة من عُبّادها، وهجرتهم، فإن المرء أكرم من يستعبد من آخر، وعبوديته لله تعالى تمنعه من عبادة غيره، وليس له من عذر أن يخضع لذلِّ الطاغوت وعبادته أنه وحيدٌ مستضعف، فليخط الخطوة الأولى ولا يلتفت وراءه، وسيرى بعد ذلك كيف تتحقق به الإمامة عاجلًا أو آجلًا، فهل بعد هذا يأتي جاهل ليزعم أن الإسلام دين خضوع واستسلام للظلم والفساد أو يأتي جاهل رعديد ليقول: إن القرآن لا يجيب على أسئلة الحياة؟
هكذا تفهم القصة القرآنية، وهكذا تقع بها العبرة، ويقع في رجالها الأسوة التي تحقق سعادة الدنيا والآخرة، وإن كل خروج عن صفات هذه الأُمَّة هو كذب على الله وعلى دينه وعلى أنبيائه، وكل حكمة غير حكمتهم وكل اختيار غير رشدهم هو ضلالة وهوى وإن زعم صاحبه غير ذلك.
قوله تعالى: (وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ [1] (
(1) الأنبياء: 93