فهرس الكتاب

الصفحة 174 من 198

فهذه الأُمَّة مع وضوح أمرها، واتفاقها على حقيقةٍ واحدة لكن الخلف لهم قد اختلفوا وتفرقوا، فصاروا التوحيد شركًا، والاتباع ابتداعًا، والهدى ضلالًا، وما كان هذا الاختلاف إلا خروجًا عن الحق وتغييرًا له، فإن الحق سبيل واحد، والباطل سبل، والخروج عن الحق لا يصنع حالة واحدة، ولا أُمَّة مؤتلفة، بل هو الافتراق بعد الأهواء، والتنازع عند كل سبيل ومنعرج، فالذي يحقق وحدة الأمة هو اتباعها للحق الواحد الذي حققه الأنبياء جميعًا.

ومع هذا التقطع والاختلاف فإن الجميع راجع إلى ربه ومحاسب.

قوله تعالى: (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ [1]

بهذه الآية يبقى باب الدخول في الأُمَّة مفتوحًا، فإنه وإن انقضت النبوة وانتهت إلا أن أعمالها لم تنتهِ بل كتابها مفتوح، وسلسلة النور ما زالت موصولةً يدخل فيها من حقق الشرط: (يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ (. وشرط قبول العمل هو الإيمان بالله تعالى كما قال مؤمن آل فرعون: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَائِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (فكل من أتى بعمل حسن في نفسه، محبوب لغيره فإنه غير مقبول إن لم يكن صاحبه مؤمنًا، ولم يرد به وجه الله تعالى، ولذلك فشرط الانتساب لهذه الأُمَّة ودخول صحائفها لا يكون لغير المسلم، فإن غير المسلم غير مؤمن، لأنه كافرٌ بالله وبرسوله (، فالمسلمون أُمَّةٌ واحدة من دون الناس منذ أن بعث رسول الله (إلى يوم القيامة، ولا يصح أن يدخل أحد في مسماها إلا بشرط الإيمان.

قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [2] (

هذا عود على أول السورة في قوله تعالى: (وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (فإن كل العرض الإلهي لقصص الأنبياء - عليهم السلام - وأهوالهم مع الواقع الإنساني في داخلهم وخارجهم كان تفصيلًا لقوله تعالى: (ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنجَيْنَاهُمْ (إذ رأيت كيف تحقق لهم إجابة الدعاء، وكيف حصلت لهم النجاة مما كرهوه وآذاهم، وأمّا هذه الآية فهي لشرح حال القرى عند نزول العذاب وبعده، فإن الله ? حين تقع إرادته في إهلاك قرية وتدميرها فإن إرادته لا ترد، ولا يرجع

(1) الأنبياء: 94

(2) الأنبياء: 95

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت