فهرس الكتاب
عنها العذاب، وهي تفصيل كذلك لقوله تعالى: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَانَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (فإن القرية المهلكة لا تعود، وإنما تُستَبدَل، وقوله سبحانه: (حَرَامٌ (بمعناها القَدَري لا الشرعي، فإنها تفيد جريان قدره الموجب الذي لا يرده راد.
وهذه الآية وما في معناها تفيد منع الفراغ في الوجود، فإن القرى المهلكة هي القرى العظيمة التي هي أم القرى في زمانها، كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا (، وهذه سُنّة البعث الإلهي للرسل، والذي يقع هو هلاك هذه «الأُمم» ، ويكون الاستبدال برفع أُمَّة أخرى، وقرية غير المهلَكة، وهذا هو الاستبدال الإلهي للقوة والمقدرة والسيادة، وقد تَقَدَّم لك في هذه السورة أن أعداء هذه الأُمَّة لا استئصال لهم، فهم هم، وإنما هي المدافعة والتبادل بين أهل الإسلام وبينهم، وليس استبدالًا لهم بأُمَّةٍ أخرى، فالقرى الأولى قد أهلكت، ولم تسكن بعدهم إلا قليلًا كما قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ [1] ولتعلم أن هذه الأُمَّة هي آخر الأُمم، وأن أعداءها هم هم فإن الله ? ذكر الأُمم السابقة في القرآن على ما علمت ثم جاءت هذه الآية التي تبيّن علامة الساعة الكبرى وهي:
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَاجُوجُ وَمَاجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ ? وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ [2] (
فالأُمم السابقة كان موعدها عذاب الاستئصال، وأمّا أعداء الأُمَّة المحمدية فموعدهم القيامة كما تبين هذه الآيات، فلا ذهاب لهم إلا بذهاب الدنيا وانتهاء الوجود، فهم قدرها تغلبهم ويغلبونها وفي كل موقعة يقع ما قاله الله تعالى في هذه السورة: (أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (فإن كل موقعة بين الأُمَّة المسلمة وبينهم سببًا لعودة الدين، وانتشار الحق، ذلك بأن أعظم مُحَرّضٍ على الحق هو الأعداء كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (فإن الحق ينتفع بوجود الباطل، إذ لولاه لَمَا حصل نصر، ولَمَا حصل تمايز في المعاني والقيم، فمواقع التدافع تعيد الحق إلى نفوس الناس، وهذه الأُمَّة لا تبيد إلى قيام الساعة، وحين يكون الأمر كذلك فإن الانتصار مؤذن بالتراجع ليأتي الآخر ويشغل المكان لقانون الاستبدال، وإن الهزيمة مؤذنة بالانتصار، إذ الوجود ساحةٌ واحدةٌ بين المسلمين وأعدائهم، ولا يقع التداول إلا بينهما، وهذه الغربة الثانية مؤذنةٌ بالزوال، ولقد كانت العزائم ومواقع البلاء سببًا لعودة الدين في نفوس الناس، ولقد
(1) القصص: 58
(2) الأنبياء: 96 - 97