فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 198

وبه نستعين

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على مُحَمَّدٍ الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين، أمّا بعد:

فإن بشريةَ الدعوة وربانيتها قضيةٌ قرآنيةٌ عظيمة، ذلك لأنها حركة إنسانٍ مُريد، وفضاؤها القدر المحكوم بالسُنَن، ومع ذلك فإن اختلاف الناس بين مؤمنٍ وكافرٍ بها يعني أن يحكم الله بينهم في العاقبة.

فبشريةُ الدعوة إحدى محطات الابتلاء الرباني للإنسان، حيث رفض الأكثرون الدعوة استكبارًا عن متابعة بشرٍ مثلهم: (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (و (فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ ? فَكَذَّبُوهُمَا (، ولأن في هذه البشرية وخضوعها للسُنَن ابتلاءٌ للمستكبرين أنهم أقدر على حسم المعركة مع أهل الدعوة لِما يملكون من أدوات القدرة؛ فتغريهم الشياطين من الإنس والجن أن العاقبة لهم، وهو من المكر الإلهي بالعصاة والمستكبرين. وأمّا هذه البشرية التي يحياها الداعي تعيش الدعوة ذاتها ويعيش أهلها في حركة ابتلاء وامتحان، كما يعيش خصومها في فضاء مَكرٍ وإغراء، ويكون الصراع بين الطائفتين على وفق هذين الأمرين حتى يتحقق الوعد الإلهي.

فبشريةُ الدعاة وخضوعُ قدر الدعوة على وفق السُنَن ابتلاءٌ ومَكر، وامتحانٌ وإغراء ليتحقق الوعد، وقد فصّل القرآن هذا في سور وآيات، ولعلَّ «سورة الأنبياء» هي أكثر السور تفصيلًا لحركة الأنبياء الذاتية، حيث قصَّت على المؤمنين سيرهم، فتحدثت عن شؤونهم الداخلية، وكيفية قضاء الحوائج من خلال السلوك العابد المخبت، وهي ككل السور جعلت أساس حركة الوجود عطاءً ومنعًا، وحفظًا وزوالًا؛ مرتبطًا بالتوحيد وواجباته، وحيث فصّلت في شأن أخبار الأنبياء فإنها جعلت الخط الجامع لهم هو تبليغ الرسالة وأداء الأمانة والتبشير والإنذار.

ومع قضية الإنذار كان السؤال الجاهل يتردد دومًا: (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (، ويأتي الردُّ الربانيُّ مستعليًا على هذه الجهالات، مع تقرير الحقيقة أن العاقل هو الذي يستعد له لا هذا الذي يستهزئ به. والقرآن حين يلقي على قلب الرسول (وعد العاقبة، فيقع الاطمئنان وبرد اليقين؛ فإنه يقرر حقيقة العناية الإلهية بالداعي والدعوة، لا ليقع التشابه في الفعل ولكن ليقع الوعد بالنصر على وجه يرضى به الداعي، ذلك لأن كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت