فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 198

ناظر يرى أن ما تحقق لرسول الله (من العاقبة لم تشبه بالفعل ما وقع لأيِّ نبيٍّ قبله، لكن وقع له النصر ككل نبي سبقه، وكان نصره (أعظم وأدوم، ولذلك ستدوم أمته حتى قيامِ الساعة ووقوعِ علاماتها الكبرى بخروج يأجوج ومأجوج، فإن كانت القرى السابقة قد بادت فإن قرى مُحَمَّد (ستدوم حتى قيام الساعة، وهذا ما تخبرنا به هذه السورة العظيمة كما سيأتي.

وهذا الأمر يعني لكل ناظر عاقل أن ما وقع للأنبياء السابقين مع أممهم من النصر سيقع للوارثين لرسول الله (من بعده، حيث ستجري السُنَن بلا تخلف، وحيث إن عماد نصر الله لأنبيائه من قبل؛ هو الاتباع والدعوة والإخبات والعمل الصالح فإن هذا العماد هو عينه عماد نصر هذه الأُمَّة، ذلك لأن النصر الذي تحقق للأنبياء ليس خارج إطار السُنَن، ولا لمعنى خاص في الأنبياء، إنما هو لفعل بشري يمكن تحصيله لأتباع مُحَمَّد (من المهتدين، وليسوا بأنبياء، ولذلك تقرر في هذه السورة الحقيقة القدريّة التالية: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (وأمّا فترة «المكر والإغراء» فهي فترة ذاهبة، قد تطول وقد تقصر: (فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاء وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ (.

في الشأن الداخلي للأنبياء والحديث عنه تقريبٌ وترغيبٌ للاقتداء، حيث يرى المؤمن القرآني نفسه في داخل القصة على وجه من الوجوه، ذلك لأن شأن النبوة عظيم، وهم أعظم الخلق، وحيث هم كذلك فإن مجال صناعة الوهم حولهم كبير جدًّا، وحين يكبر الوهم حولهم تتحول شخوصهم إلى أساطير تتجاوز الحقائق الإنسانية، وهذا أمر مطرد في الشعوب والأمم، فإن الأوهام حول السابقين من مقدمي الأمم تغلب الحقائق، ومن نظر في تاريخ أمتنا، وهي التي فيها من المواعظ والأحكام التي تمنع هذه الصناعة رأى هذا كثيرًا، فمفهوم الولاية في طوائف عدة في هذه الأمة فيه التجاوز عن حدود البشرية إلى درجة الأسطورة والوهم، وهي من أكبر الذنوب والمعاصي التي تصيب العلم والإدراك.

ولذلك حين يأتي القرآن إلى هذه المساحة الوارفة من بشرية الأنبياء في هذه السورة إنما يُقرِّب للمؤمن القرآني صورة الأسوة على وجه يدفعه للمتابعة، لأنه أمام بشر مثله، مع ما يحقق من الألفة والحب لهذا المتبوع حين يبقيه في مجاله الإنساني الأرضي في حركته وانفعالاته، ولذلك فلا عجب أن يرى المؤمن نفسه في هذا القرآن في هذا المجال، كما أن الكافر يرى نفسه حين تتحقق العاقبة له بالخذلان والهزيمة، ولذلك قال تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت