فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 198

وسمة البشرية للأنبياء فيها عناوين كثيرة، لكن أعظم عنوان فيها أن الأنبياء حين بدؤوا مع أقوامهم بدؤوا مع فراغ أيدٍ وقوة، إذ جميع الأنبياء الذين أرسلوا إلى قوم عصاة لم يكونوا ملوكًا، كما لم يكن لهم في بداية دعوتهم إلا قوة إنذار واحدة هي قوة الكلمة، لكنها ليست على المعنى الذي يريده المجرمون منها؛ أي أن تبقى كلمة ثم يمشي كل فريق إلى حاجته ومراده واختياره، بل هي كلمة البلاغ، أي التي تحمل الحق بالتوحيد والشرع والقيم، كما أنها كلمة إنذار وعاقبة، والإنذار لا يكون إلا لفعل، وحيث يكون الفعل تكون القوة وإلا لكان الإنذار عبثًا لا قيمة له، ولذلك تقدم ذكر الإنذار الذي حمله رسول الله (لقريش أن بوادره قد لاحت حين بدأ ركب الإيمان بالزيادة وركب الكفر بالاضطراب والقلق، فقال تعالى: (بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَاتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ ? قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ (.

إذًا هي سورة تجمع بين بشرية الداعي وربانية المسيرة والعاقبة، يحصل لحملتها قبس من معاني المقتدين الأخيار من الأنبياء والرسل في حياتهم وشؤون أنفسهم، كما يحصل لهم العاقبة من النصر ضد أعدائهم وخصومهم، وهي من السور التي قال عنها ابن مسعود ?:"هن من العتاق الأول وهن من تلادي"، مع الإسراء والكهف ومريم وطه، وهذا دليل على أنها من السور المكية الأولى السابقة في النزول، كما أنها سلوة للمؤمنين في مرحلة البناء الأولى، فتلاد الرجل ماله الأول، بل هو أصل ماله، وهي سورة كذلك في تربيتها للداعي إلى الله حيث يحصل له اليقين والثبات لتحصيل الوعد وإدراك النصر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت