فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 198

فهذا التقلّب قبل الخاتمة، وهو تقلب لا يصنع فيهم هداية ولا عظة ولا توبة، وواقع الأُمم المعاصرة دليل لهذه الآيات، فإن الأمم الكافرة قد وقع فيها بأساء وضراء، وقد خرجوا منها على الحال الذي وصفه الله تعالى بقوله: (بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا (وكان هذا الخروج من الأزمات مَكرًا إلهيًا بهم أن هذا جريان سُنَني على أنظمتهم، وأن كل هزة فيهم سيكون هذا أمرها، حيث يخرجون منها بحسنات وكثرة عدد وعدة وثراء، وهذا كله تمهيد للعاقبة الخاتمة التي يحصل بها الإزالة والاستبدال والوراثة. وهذه السُنَن الإلهية بيّنة في تاريخ الأُمم قديمًا، وهي في كل عصر، وهي في زماننا جلية واضحة، يعيشها الناس، والغفلة هي الغفلة، والسُنَن هي السُنَن، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وهذا التداول بين السيئة والحسنة في الأُمم، ثم تفسير هذه الأُمم أن هذا مجرد اضطراب كوني لا علاقة له بالإيمان وتشريعاته، ولا هو دليل على فساد ما هم فيه، بل هم يجعلون هذا التعاقب الذي يورث سيئاتهم الحسنات دليلًا على صلاحية أنظمتهم، وعلى دوامها، وعلى قدرتها في تجاوز الهزات والكوارث هو من المَكر الإلهي بهم، ومن الإرشاد الرباني للمؤمنين أن العاقبة للإيمان وأعماله، وأن الوراثة لهم إن عملوا بعمل الأنبياء في بناء الأُمَّة حتى يقع الميراث في أيديهم، فتلك هي مشكلة المسلمين اليوم، وهو عدم البناء لتحقق الوراثة عند سقوط الأُمم، بل هم في غفلةٍ عن بناء القوة التي تستغل الحدث لجني ثماره إلى جرين الإيمان وأهله، ولولا ما يفعله بعض المهتدين من هذا العمل؛ وهو البناء لتحقق الوراثة بالسقوط السُنَني للأُمم الجاهلة الظالمة؛ لما تحقق إيمان وارث في كل الأرض، ولكنها رحمة الله تعالى بوجود عصابات الإيمان التي تنتظر الوراثة، مع خذلان الناس لها وجهلهم في قيمة ما هم فيه من الرباط والإعداد، فإن كل منطقة تخلو من هذه العصابة المؤمنة المجاهدة لو سقطت وقصمت قرية ظالمة فلن تجد وارثها أهل الإيمان، بل هي طوائف أخرى، بخلاف القرى التي يكرمها الله بوجود هذه العصابة، فإنها وإن تبدو في ظروف منها أنها لا شيء، وأن تأثيرها غير ظاهر، إلا أنه عند سقوط الممكّن الظالم تجد حضورًا لهذه الطائفة، وتكون مستعدة للوراثة وتحقيق التمكين الإيماني.

ولذلك فلا تتبع جهالات بعضهم حين لا ينظر إلا إلى أسفل قدميه، وتشغله اللحظة الراهنة عن رؤية القَدَر الإلهي القادم، فيجهل ويسأل: ما قيمة هؤلاء وما أهمية وجودهم وأين تأثيرهم؟ ولا يُبصر أن صبرهم على ما هم فيه، وقيامهم بأمر الله لحظة الاستضعاف هي التي تحقق لهم الوراثة حين يأتي الوعد الإلهي بقصم القرى الظالمة وحصد أهلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت