وقوله تعالى: (فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (يدل على أن هناك زمنًا بين ظهور علائم العذاب وبين تحقق مقصده التام بالحصد والإزالة، وذلك لجريان السُنّة بعدم وجود الطفرات في الوجود، وإنما يظن الناس وجود الطفرات لأنهم لا ينظرون إلى المقدمات المؤثرة، فيبدو لهم الحدث وكأن لا مقدمات له، ثمّ إن القرآن يبين أن التغيير الاجتماعي لا يدري الناس زمانه، فإنه حتى لو حدثت مقدماته إلا أنه لا يمكن التنبؤ بزمانه، ولذلك يقول الله تعالى عن رسوله (: (قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (. وقال عنه ?: (قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (.
فمع علم النبي (بسُنَن الوجود كما علمه إياها القرآن إلا أن كيفية جريان هذه السُنّة على وجه محدد لا يعلمه إلا الله، فقد يهتدي الضال، وقد يرتد المهتدي، فالإنسان عنصر التغيير وهو ليس رقمًا ثابتًا في معادلة التغيير، كما هو شأن العناصر المادية في التفاعل الكيمياوي، ومن قرأ سيرة التغييرات الكبرى في التاريخ المعاصر علم أن أصحابها لم يكونوا على علم بوقت وقوعها ولا بمكانه ولا بكيفية مساره.
ولهذا فالمسلم وجوده في هذه المعادلة هو ثباته على الطريق كما قال رسول الله (: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (، فهذه عمله البشري، وأما غير ذلك فهو فعل الله تعالى وقدره، وبهذا يجتمع بشرية الدعوة مع ربانيتها.
قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ ? لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ? بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ [1] (
هذه طريقة القرآن في ربط القَدَري بالشرعي، وربط التكوين ومقصده بالشرعي، وقد تقدم كيف جعل الله تعالى خلق السموات والأرض التكويني من أجل الآخرة، وفي مواطن عدة في كتاب الله تعالى جعل الله التدافع بين الحق والباطل مقصدًا من مقاصد التكوين؛ ففي سورة ق - وهي أول المفصل - يقول الله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ ? إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى
(1) الأنبياء: 16 - 18