وهي المقصود عنا، وقد تفرد في ال ... ، وقد تجمع، ومثال الجمع الآية المتقدمة كما تقدم، وقد أجاب الطبري - رحمه الله - على من اعترض على الجمع وهي واحدة بشواهد فليرجع إليه من أراد. وإفرادها هنا لأن السماء الاولى هي صقف الأرض كما أن السماء الثانية سقف للسماء الأولى وهكذا إلى أن العرش سقف كل الخلق وأعلاه الجنان. وكما ترى فإن الله لما ذكر الجبال ذكر فائدتها للأرض، ولما ذكر الفجاج ذكر فائدتها للإنسان، ذلك بأن منفعة الإنسان المباشرة لما في الفجاج من تسهيل وسهول أكثر كما أنها أحب إليه. ولما ذكر السماء لم يذكر فيها إلا وصفها بأنها سقف الأرض، وذكر امتناعها وقوتها من أن ينال الناس منها كما ينالون من الأرض فقال: (مَّحْفُوظًا (، ومن حفظها ما قاله ?: (وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ ? إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (.
وقد ذكر الله عن السماء قوله: (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (وهذه الآية هي عند بعض المعاصرين دليل آخر على نظرية الانفجار العظيم، إذ لما كان لك ما تحت السماء الدنيا كتلة واحدة ثم حصل لها انفجار فتمددت وانتشرت، ثم ما زال هذا التمدد يزيد ويزيد إلى قيام الساعة، هذا مع قوله تعالى عن نهاية الكون: (بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ (، إذ يقول بعض أهل الفلك من غير المسلمين: إن هذا التمدد سيبقى مستمرًا إلى أن يحدث أمر ما، إمّا أن يتشتت ويتناثر، وإمّا أن يعود إلى التجمع كتلة واحدة، وكما ترى فإن القرآن - إن صحّت النظرية - يقول بعودة الكون كله جزءًا واحدًا وكتلة واحدة، وهذا هو طوي السماء وقبض الأرض والله أعلم. وقد تَقَدَّم أن بعض أهل العلم فسّر فتق الرتق في السماوات بما ينزل منها من ماء، والله يقول: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (وهو نفي للتق إذ لا فروج فيها، والجمع بينهما لا يكون إلا بما تقدم أن السموات في هذه الآية؛ أي آية سورة الأنبياء هي على المعنى الأول، وهو ما ارتفع فوق الأرض لا الطباق، وأن هذه الآية التي في سورة ق إنما المقصود بها السماء الدنيا من السموات السبع الطباق.
وقوله تعالى: (وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (والإعراض المذموم في القرآن هو التفكر الذي لا ينتج إيمانًا، أما مجرد العلم بالحياة الدنيا وسُنَن الكون فليس ممدوحًا، بل قال تعالى: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (، وقال تعالى: (وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (، فالتفكر الممدوح هو الذي يؤدي إلى تسبيح الله وتعظيمه والإيمان بالدار الآخرة، وبدون هذا الإيمان فإن علمهم بالسُنَن ونظرهم في الكون قد أنتج فسادًا في الأرض، واتخذوا ما يعلمون وسيلة للظلم والقتل والدمار.