القدرة في إدراك هذا المعنى. وفي سورة فُصّلت هذه ذكر الله أن الله خلق الأرض في يومين، ثم جعل فيها الرواسي وما فيها من أقوات في يومين فكانت أربعة كما قال سبحانه: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ? وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (. وأمّا حديث أبي هريرة في مسلم:(( خَلَقَ اللَّهُ ? التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَخَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَام بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فِي آخِرِ الْخَلْقِ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ) )، فهذا مع وجوده في مسلم إلا أنه شاذ، ويكفي أن إمام الصنعة البخاري قد أعلّه كما في تاريخه، وكذا قال الدارقطني في الإلزامات والتتبع، ويأبى الله أن يتم إلا كتابه، ومن حاول تقويم علته من المعاصرين فقد أخطأ ولم يصب، فالمفكر منكر والضعيف يحتاج إليه كما قال أحمد بن حنبل، هذا وقد قال البخاري:"رواه بعضهم عن أبي هريرة عن كعب الأحبار وهو أصح."ثم ذكر سبحانه خلق السموات في يومين: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ (، فهذا هو قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ (. وهذه الايام قطعًا ليست كأيامنا هذه بل هي كما قال تعالى: (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (. وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (، وهذه كقوله تعالى في سورة النحل: (وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (فقد نوع الله ? خلق الأرض على وجوه كثيرة، إذ نوع فيها الأخاديد، كما نوع فيها وجود الأنهار او عدمها، وهل هي صحاري أم حدائق وأشجار، وهكذا؛ وكل ذلك لمعاني عدة أعظمها ما قاله ?: (لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (، ولو كان على وجه واحد لم يحصل الاهتداء، ولذلك فإن الناس إن كانوا في الصحراء الواسعة التي لا تغير في تضاريسها أخذهم الضلال إلا بما يعرفون من النجم، ولذلك قال ? عقب آية النحل: (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (، فإن غابت عنهم علامات الأرض استدلوا عليها بالنجم الذي في السماء.
وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (وهذا دليل على أن السماء بساط والأرض لا جوف، وهو مأخوذ من قوله تعالى في هذه السورة: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء (، والطوي لا يكون إلا للبساط، بخلاف الأرض فهي مصمتة لا جوف لها، ولذلك في الحديث:(( يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ ) )، والله يقول: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ (. وكون السماء سقفًا لأنها محيطة بالأرض كسقف البيت للبيت، والسماء في القرآن تطلق على ما هو محيط بالأرض من فضاء وذلك كقوله: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (فالمقصود من فوق الأرض، وتطلق على ما هو طباق، وهي السموات السبع،