فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 198

يوجد مخلوق فيه الحياة قائم بنفسه بل هو قائم بغيره، وهذا دليل على حاجة المخلوق لغيره، إذ لو كان قائمًا بنفسه لكانت الحياة فيه لا تحتاج لشيء خارج عنه، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا (فالشيء مخلوق، ثم أن تكون فيه الحياة جعل آخر.

وقوله تعالى: (كُلَّ شَيْءٍ (عام لكل مخلوقاته ?، فإنه ? يقول عن الأرض: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (ولما يعطيه الماء من حياة للوجود سماه الله ? مباركًا كما قال تعالى: (وَنَزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء مَاء مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّات وَحَبّ الْحَصِيد (، وسماه طهورًا كما قال سبحانه: (وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ? لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (، فهذان وصفان عظيمان، إذ البركة يحصل بها التكثير والنماء، والطهارة يحصل بها التطييب، فهو مانح للكثرة والتطييب، فقد يكون الشيء طيبًا لكنه قليل، وقد يكون كثيرًا ولا يكون طيبًا، وهذا معنى الحياة، فإن النماء لا يكون إلا بالحياة.

وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ (بعد أن ذكر الله سبحانه أول الأمر وبأي شيء يقوم ذكر الله عنايته به وقيامه عليه بالحفظ والبقاء فقال: (وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ (، ذلك بأن الله سبحانه خلق الأرض على صفة تصلح بها حياة الإنسان والحيوان والنبات، وذلك بإقامة الجبال فيها لتكون أوتادًا تحميها من الانزياح، فإن أعظم عمل لها هو منع انزلاق الطبقة العليا التي عليها حياة البشر والحيوان والنبات والأنهار والبحار، مع ما في ذلك من معاني أخرى وهي تحقيق التوازن لمنع اضطرابها، لكن تسمية الجبال أوتادًا يفيد أعظم مقاصدها الذي ذكر، وهذا أمر لم يعرفه الناس إلا حديثًا. وكون الأرض محفوظةٌ بأوتادها دليلٌ لِمَا ذُكِرَ سابقًا أنها غير قائمةٍ بنفسها، وهذا مما جهله منكروا الخالق اليوم، حيث جعلوا سُنّة الجاذبية كافيةٌ لتحقيق معنى الأرض التي يعرفون من الاستقرار والثبات، وهذا من جهلهم وغياب ما يعلمون عن عقولهم عند النظر في العقائد وأبحاثها، فإن الجاذبية لا تحقق لوحدها ما قالوه، فالجبال هي أكثر تحقيقًا لمنع الانزياح والاضطراب والتفتت.

ووجود الجبال التي هي أعظم ما خلق في الأرض، وهي أعظم ما تحتاجه الأرض في قيامها بالسُنَن المودعة فيها، من أعظم الدلائل على قدرة الله تعالى ولذلك أمر عباده بالتفكر فيها فقال: (أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ? وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ? وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ? وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (، وهذه الآية دليل على أن خلق الجبال كان بعد خلق الأرض. وفي سورة فُصّلت جعل الله الرواسي؛ أي الجبال فوقها، فقال ?: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا (وهذا دليل على أن جذر الجبال لا يصل عند الأرض، بل الجبل بكل أجزائه الظاهرة والباطنة فوق الأرض، وهذا ما يعلمه هل النظر في هذا العلم من أهل هذا العصر، فإن الناس لم يكن لهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت