وقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوآ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلا يُؤْمِنُون (يدل على معنى فطري يراه البشر في حياتهم، وهو ما يحدثه الله من شقوق الأرض بإخراج النبات منها، وكذلك السماء بما ينزل الله منها من مطر، وهذا ما قاله العالمون بكتاب الله تعالى من الأوائل، وقال آخرون هو أن السماء كانت واحدة: (رَتْقًا (متصلة، ففتقها وجعلها سبع سماوات، وكذلك الأرض، وقال بعضهم: هو اتصال السموات والأرض جميعًا ثم فتق هذه عن هذه، فكانت السموات وكانت الأرض. ولفظ الآية يحتمل الجميع، إلا أن القول إن السموات؛ ويقصد بها السبع الطباق كانت متصلة مع الارض قول بعيد، لأن القرآن يدل أن السماوات خلقت بعد الأرض وليست معها، وذلك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (، ويشهد لهذا كذلك آيات سورة فصلت وذلك في قوله: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ? وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ? ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ? فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (، لكن المعاصرون اليوم يقولون إن هذه الآية دليلٌ على ما يعتقده أكثر الباحثين اليوم مما يسمونه «الانفجار العظيم» ، ويقولون: إن هذه النظرية هي أكثر النظريات إجابةً على الأسئلة، وشأن هذه النظرية كشأن نظرية مكونات الذّرّة، فالناس لم يروها كما قال تعالى: (مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ (، وكذلك فهم لم يشهدوا خلق السموات والأرض، وإنما هي تصورات تتجمع من معطيات ومقدمات، ثم تتشكّل النظرية، فعلى هذا القول يكون قوله تعالى: (أَنَّ السَّمَاوَاتِ (المقصود به ما في السموات من أَجرام وأفلاك، لا السموات الطباق السبع، أي إن الكون كله كان كتلةً واحدة ثم حصل به انفجارٌ عظيم أدى إلى تكوين المجرات والشموس والأفلاك والأرض والنجوم.
والقرآن الكريم ذكر كثيرًا بداية الخلق، كما ذكر نهايته على الوجه الذي بدأ به كما قال تعالى: (كَمَا بَدَانَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (كما يقول الله تعالى في نهاية هذه السورة، ولمعرفة هذا الأمر فقد كتب فيه الكثير في زماننا فليرجع إليه ففيه نفع كبير.
وقوله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ (، وهذا دليل على وحدانية الخالق ?، فأن تجعل حياة كل شيءٍ في الوجود مُعلقةً بوجود أمرٍ واحد هو الماء دليلٌ على أن الله خالق كل شيء ?، كما أنه دليل على أنه لا