فجعل معرفة ماهية الأَبّ من التكلف، مع علمه بأنها مطعوم لموقعها من السياق في قوله تعالى: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (، وقول الفاروق أنه من التكلف لاستغنائهم عن معرفتها، ولانشغالهم بغيرها، وإلا فإن الفهم الكامل على الله إنما يكون بإدراك مراده منه على وجهه، فمن عرف حقيقة الأَب كان فيها أعلم ممن خفيت عنه. والصحابة استغنوا برؤية آيات أخرى حصلت لهم فقوي إيمانهم بها، والناس فيما بعدهم لم يحصل لهم هذه الرؤية، وإن كان المسلم يصدق بها للخبر، لكنه كما جاء:"ليسَ مَن رأَى كمَن سمع"وفي الحديث:(( لَيْسَ الْخَبرُ كالْمُعَايَنةِ ) )، وهم برؤية آيات الكتاب تفصيلًا وعلمهم بها تقوي إيمانهم ويحصل بها التثبيت، كما يحصل بها إقامة الحجة على الخق ممن لا يعرف إعجاز القرآن البياني واللغوي، بل ولا يعرف العربية.
ولذلك فالتفسير العلمي للقرآن عملٌ من أعمال الجهاد، وقد حصل به خيرٌ كثير للناس، سواء منهم المؤمن وغير المؤمن، ومنافعه كثيرة، مع الحذر من المزالق، وهي كثيرة يعرفها الناس، وتكلم عليها أهل العلم بالقرآن فكفوا وشفوا، ولكن وجود مزالق وأخطاء لا يمنع صحة الأصل، فهذا هو شأن العلم وقواعده في كل باب من أبوابه وشؤونه، والناس قديمًا من أهل العلم أكثر خطأ من المتأخرين في هذا الباب، فلو نظرت إلى تفسيرهم لقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًا (لرأيت العجب من تصور خلق يأجوج ومأجوج، مع انهم من نسل آدم كما في حديث بعث النار، ومن علم جغرافية الأرض فهم أن الستر هو الليل، إذ أن ذا القرنين بلغ مكانًا في الشرق حيث ينتهي العالم القديم، وهو في شمالها يكون النهار فقط ولا يستر الشمس الليل، وهذا في زمن وصول ذي القرنين هذا المكان.
فكان وصول ذي القرنين إلى شرق الأرض يومذاك، وهو في شمالها قطعًا في وقت يمتد النهار بلا ليل، فهذا معنى الآية لا غير، وليس بتلك التصورات القديمة التي يقولها بعض المفسرين بحسب ثقافة عصرهم، ولا بما تقوله الأحاديث الضعيفة المنكرة التي يصححها المتأخرون دون عناية بالمعنى ومخالفة الصحيح.
والقصد أن المفسر للآيات الكونية قد يقع منه أقوال هي ثقافة عصره ونتاج أخبار لا تصح فيأتي بالخطأ، واليوم وإن كان الناس لم يبلغوا حد العلم الكوني التام، إلا أنه حصل لهم الكثير مما لم يكن للسابقين، فتفسيرهم للآيات الكونية أكثر صوابًا من المتقدمين، حاشا ما قاله المعصوم رسول الله (، فإنه (قد أوتي القرآن ومثله معه، وفي الحديث من الايات الكونية التي تدل على معنى ما يدل عليه القرآن الكريم.