تَظُنُوُن، إِنَّمَاَ المُرَاَدُ بِهِ الشِركْ، أَلَمْ تَسمَعُوُا إِلَى قَولِ الرَجُلِ الصَاَلِحِ - يعني لقمان: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (. والأمن الذي تعنيه الآية التي يكون فيها الظلم هو الشرك إنما هو الأمن المطلق، فلا يقع إلا بالبراءة من الشرك، ويقل الأمن بمقدار حصول الظلم الذي هو أدنى من الشرك، فإن وقع الشرك انتفى الأمن مطلقًا. فالأمن المطلق يكون بالإيمان الكامل، ومطلق الأمن شرطه وجود التوحيد ونفي الشرك.
وقال تعالى: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ ? مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (فسمّى العابدين لغير الله ظالمين. وقوله تعالى: (مِنْ دُونِهِ (يكون لمن طلب تأليهه مع الله، أو طلب إخلاص التأليه له، فكلاهما داخل في هذا الوعيد، مع أن عامة الشرك هو وقوع تأليه للباطل مع الله تعالى.
قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ? وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ? وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ ? وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [1]
يَذْكر الله تعالى هنا آيات قدرته الكونية، وهي موجبات تأليهه وحده، فهي دالة على قدرته جل في علاه، كما أن معرفة العبد لها توجب شكره، فهي آيات تساق للدلالة على قدرته كما تذكر للدلالة على نعمه على خلقه، فهي تثبت حقه في التأله والحمد والشكر. والآيات الكونية في القرآن لأهل العلم قديمًا فيها موقفان؛ موقف يوجب فهمها على وجه ما فهمها العرب عند نزول القرآن عليهم، وهو موقف نصره الشاطبي في الموافقات، وموقف تجعل معانيها تمتد وتتجدد بحسب ما يحصل للناس من معارف، وهذا رأي يقول به أصحابه أخذًا من حديث النبي (:(( مَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ، إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنْ الْآيَاتِ مَا مِثْلُهُ، آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) )، فالحديث يدلُّ على مناسبة إعجازه لكل حالات البشر العلمية، والناس في أمر التكوين على تغيّر وتبدُّل، فيكون ما فيه من الآيات الكونية معجزات لكل عصر بما يعلمون ويدركون. ومما لا شكَّ فيه أن الصحابة ? وهم أعظم الناس إيمانًا لم يكونوا يتعمّقون في إدراك ماهيات هذه الكونيات ويشهد لهذا قول الفاروق ? وقد قرأ سورة عبس فلمّا أتى على قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (قال:"قَد عَرَفنا الفَاكِهَة، فَمَا الْأَبّ؟"فقال:"لَعَمْرك يَا بْن الْخَطَّاب إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّف."
(1) الأنبياء: 30 - 33