ثم إن علمهم بما يقع من الطائعين الإنقلاب على الأعقاب، والتغير والتبديل توجب عليهم الخشية من الوقوع في ذلك، فإنه: (فَلاَ يَامَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (وهو حكم يلحق الإنسان والجن والملائكة كذلك، فلا يصح منهم الأمن من مكر الله جلَّ في علاه. واعلم أن التسبيح والتقديس لا يقع على معناه الكامل الذي يحبه الله إلا إن وقع على معنى الحب والخشية، فإن انطلق لسان الذاكر وقلبه فيه هاتين الصفتين كان تسبيحه وعبادته أعظم مقامًا وأكثر قبولًا.
قوله تعالى: (وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [1]
وهذا الشرط لا يلزم وقوعه لقوله تعالى: (لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ (، والملائكة حالهم في هذا كحال الأنبياء في الطاعة والتبليغ والله يقول: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (. وأعظم الخلق جرمًا هو من نازع الله في ألوهيته، فطلب عبادة الناس له، ولذلك كان من حرص النبي (على حماية جناب التوحيد أن منعهم من القيام على رأسه، ومنعهم من مدحهم له على وجه يخرج عن حد الاعتدال ووصفه أنه عبد الله ورسوله، كما منعهم من قوله: مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ، وكان (يفرح إذ ينسب الحمد لربه كما ابتسم لما قالت أم عائشة - رضي الله عنها - حين ظهرت براءتها:"قومي إليه"؛ أي إلى رسول الله (، فقالت الصديقة - رضي الله عنها:"والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله ? هو الذي أنزل براءتي."
ولذلك كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من أهل العلم يكره أن يعبد الناس ربهم بآرائهم خوفًا من أن يقع عليهم قوله تعالى عن أهل الكتاب: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ (. فالصالح هو من يُعرّف الناس بربهم، ويحببهم فيه، ويقرّبهم لعبادته، لا أن يجعل الناس عبيدًا له، يمتثلون له، ويعظمونه، ويصدرون عن قوله فيما يجتهد فيه.
وقوله تعالى: (كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (هذا من تسمية الشرك ظلمًا كما قال تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (وقوله تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (، وفي الحديث لَمّا نزلت: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَائِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (شق ذلك على الصحابة وقالوا:"أيّنا لم يظلم نفسه؟"فقال النبي (: لَيْسَ الأَمرُ كَمَاَ
(1) الأنبياء: 29