فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 198

ونفيه ? الشفاعة منهم إلا لمن ارتضى، هو على معنى قوله تعالى عن النبي (والمؤمنين: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (، ولذلك كان ذكر قوله تعالى: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ (في سياق عذابهم للمشركين كما قال ?: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (فحيث غضب الله على عبد عصاه، فإنه يأمر ملائكته بالغضب عليه، كما يأمر المؤمنين بذلك، وهو كما يأمر ملائكته بعذابه يأمر الصالحين من عباده بذلك كما قال تعالى: (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ (والعاصي في ترك العقاب كالعاصي في ترك الرحمة والله يقول عن جلد الزاني: (وَلَا تَاخُذْكُم بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (. والقرآن في تقييده الشفاعة كما في كل الآيات التي ذكرتها لأن الشفاعة فيها معنى الدالة، وقد يقع بالشفاعة ما لا يحبه المشفوع عنده لهذا المعنى، وقد يكون الشافع أعظم من المشفوع عنده فيوقع عليه الأمر على هيئة وصيغة الشفاعة، فلذلك نفى القرآن كل هذه المعاني وغيرها بهذه التقييدات التي تعلمها.

قوله تعالى: (وَهُمْ مِنْ خَشْيَته مُشْفِقُونَ (

فهم مع مقام الحب والرضى والطاعة المطلقة، إلا أن علمهم بربهم توجب عليهم الخشية والخوف منه، بل لا يصح مقام الحب والرضى والكرامة عند الله إلا بالخشية منه. والخشية في قلوب عابديه مبعثها عظمة الله تعالى، والملائكة أعلم الخلق بهذا، فهم يرون عظيم خلقه مما لا يرى الناس ولا الجان، وهم يرون أمره ? الذين ينزله، كما أن الخشية تنشأ من معرفة عذابه لمن عصاه، وهم يرون النار وما فيها، فكل ذلك يحقق مقام الخشية منه ?.

وقد يُشكل على البعض أن الملائكة وهم على الوصف المتقدم من الطاعة ودوامها، وترك المعصية كيف يخافون؟ والجواب: أن مقام الخوف ومنزلته هو عبادة للمكرمين من خلقه، فهم يتعبدونه بها لما يعلمون من أسماء الله تعالى المنتقم، ولما يعلمون من صفاته ? الغضب، وعندما يعلم الخلق هذا من ربهم فإن من عبادتهم له أن يتحقق فيهم الخوف منه.

وأمرٌ آخر؛ أن علمهم بربهم وعظمته وقدوسيته وملكه، وحاله من صفاتٍ حُسنى جلَّ في علاه، تعلمهم أن كل عبادةٍ يقومون بها فإنها تستحق الاستغفار، لِمَا فيها من النقص كما قال تعالى لرسوله (: (وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (فهم يخشون ربهم لما يعلمون أن طاعتهم لله هي أقل ما يجب في جنب الله تعالى، فيصح منهم هذه المنزلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت