والأول قد لا يقتضي فعلاُ أو نهيًا، فقد يكون حكم الله تعالى على وجه الإباحة، أو قد يكون قولًا يتعلق بعلم غيبي، أمّا الثاني فهو الطاعة في الانقياد ولزومًا.
واختصاص ذكر امتثال الأمر هنا في قوله تعالى: (وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (لأن الفعل أحب لله تعالى من الكف، كما قال رسول الله (في الحديث القدسي: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، مع أن قوله تعالى: (وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (مفهومه أنهم لا يعملون أمرًا لم يؤمروا به، وفي سورة التحريم تفصيلٌ لهذا بقوله سبحانه عنهم: (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (وقوله تعالى: (بِالْقَوْلِ (شاملٌ لِما هو باللسان أو القلب، أي لِمَا هو عَمَلي وما هو عِلمي.
قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (
فإحاطة الله العلمية لهم هي على معنى ما تقدم من العلم الذي موجبه القدرة، فهي إحاطة علمٍ وقدرة، فالملائكة مع ما وصفوا من عظيم الخلقة والقدرة، إلا أن الله محيطٌ بهم، لا يغيب عنه شيءٌ من أعمالهم وأحوالهم، وذلك لأن الله بكل شيءٍ محيط، وهم خلق من خلقه.
وقال بعض أهل العلم أن قوله تعالى: (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ (أي ما هم عاملون وسيعملون، وما عملوا من قبل ذلك، وهذا معنى حسن، فإن من جهالات المعرضين السؤال عن العمل الماضي وشأنه كما قال فرعون لموسى (: (قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى ? قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (.
وقوله تعالى: (وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى (لأن من عمل الملائكة الشفاعة في الدنيا بالاستغفار للمؤمنين ولأهل الأرض كما قال الله تعالى في غافر: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا (وفي الشورى قوله تعالى: (وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ (، ويوم القيامة لهم شفاعة عند الله تعالى لهذه الآية، فهي تثبتها، والمنفي هو الشفاعة للكافرين، والشفاعة جعلها الله لموصوفين في كتابه بقوله: (وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (، وهذا كما يقول أهل العلم استثناء منقطع، فهو سبحانه إذ ينفي الشفاعة عن آلهتهم الباطلة، فهو يثبتها لمن شهد بالحق، فيدخل فيها الملائكة والنبيون والصالحون.