ففي الآية الأولى في سورة فصّلت ذكر الله قيام الملائكة بما يحب ويحقق له الرضى، وفي الثانية في سورة الأنعام ذكر قيام أنبياءه إن كفرت قريش، فالله ? يضرب المثل بالمقربين وأعمالهم ليعلم الخلق ما يجده ويرضيه.
فهَاهُنا ذكر الله تعالى ما يحبه من عبيده، وما هو دينه الذي شرعه لهم وهم: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (، وهذه المسألة هي من قضايا الأصول وأبحاثه؛ ذكرت في بعض كتبه، وهو الاقتداء بالملائكة وهذا المذكور يشهد لصحة القول بذلك؛ أي إن أفعال الملائكة شرعٌ للمسلمين، ويُستَدَلُّ لها بأحاديث أخرى كحديث جابر بن سمرة - رضي الله عنهما - قال: خرج علينا رسول الله (فقال: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ.
وكذلك حديث أبي هريرة ? عن النبي (قال:(( خَلَقَ اللَّهُ ? آدَمَ على صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا خَلَقَهُ قال: اذْهَبْ فَسَلِّمْ على أُولَئِكَ: نَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ جُلُوسٍ فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ فإنَّهَا تَحِيَّتُكَ وَتَحِيَّةُ ذُرّيَّتِكَ، فقال: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهُ، فَزَادُوهُ: وَرَحْمَةُ اللَّهِ ) ). ويشهد لهذا كذلك قوله (من حديث أبي طلحة الأنصاري ?:(( لاَ تَدْخلُ الْمَلاَئِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةُ تَمَاثِيلَ ) )فجعل علة التحريم كراهية الملائكة له.
وأحاديث أخرى على وفق هذا، وهي تدلُّ على أن فعل الملائكة شرعٌ للمسلمين إلا أن يكون خاضعًا لهم، وأعظم ما يُحتَجُّ به ما قاله جبريل (يوم الخندق لرسول الله (وقد ذهب الأحزاب فرجع رسول الله (إلى المدينة ووضع السلاح، فبينما رسول الله (يغتسل في بيت أم سلمة من وعثاء تلك المرابطة حول الخندق، إذ جاءه جبريل (مُعْتَجِرًا بِعِمَامَةِ مِنْ إسْتَبْرَقٍ عَلَى بَغْلَةٍ عَلَيْهَا رِحَالَةٌ عَلَيْهَا قَطِيفَةٌ مِنْ دِيبَاجٍ فَقَالَ: أَوَقَدْ وَضَعْتَ السّلَاحَ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: فَمَا وَضَعَتْ الْمَلَائِكَةُ السّلَاحَ بَعْدُ وَمَا رَجَعَتْ الْآنَ إلّا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ، وفي رواية قال له: عَذِيرك مِنْ مُقَاتِل أَوَضَعْتُمْ السِّلَاح، قال: نعم، قال: لَكنَنَاَ لَمْ نَضَعْ أَسْلَحَتَنَاَ بَعْدْ، اِنْهَضْ إِلَىَ هَؤُلَاَءْ، قال: أَيّنْ؟ قال: بَنِيِ قُرَيّظَةْ. فأمر جبريل (رسول الله (أن يكون أمره في العمل أمر الملائكة في عدم وضع السلاح حتى ينجز المهمة.
وقوله تعالى: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (هما وصفان؛ أولاهما عدم العمل والقول في شيء من عند نفسه، بل لا يقول ولا يعمل إلا بعد أمر الله ومعرفة قوله وحكمه، وثانيهما: امتثال أمر الله في الأمر والنهي،