والشم والذوق والسمع والبصر، أو كمن غبط المريض الذي يتلذذ بالقاذورات والأزبال، وهؤلاء كثر في الوجود، إذ ترى أحدهم يحسد صاحب المال الذي جناه من حرام او منع حق الله فيه كما قال الله عن سلفهم لَمّا رأوا قارون وزينته: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ (.
ولقد كان رسول الله (من أسعد الخلق، وهو أولى الناس في دخول هذه الآية: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً (ومثله أخوانه الأنبياء على ما وقع لهم من وقائع وأحداث زادت قربهم من الله تعالى، فحياة يوسف (هي الحياة الطيبة، وكذا حياة أبيه حتى مع قوله تعالى عنه: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْن فَهُوَ كَظِيم (، فإن معاني الإيمان ولذته وهو يقول: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ (هي أجمل وأرقى وأحلى ممن قال الله عنهم: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا (، فإنها لذائذ أشبه بلذة شارب المخدرات حيث تدمره وتفسد عليه حياته وفطرته، وهي أشبه بالمريض الذي يلعق المبرد حتى يدمي لسانه ثم يتلذذ بلعق دمه ويكون في ذلك هلاكه. وبهذا لا يكون العبد مُكّرمًا إلا إذا أدخله الله في طاعته، وأذن له في ذكره وتسبيحه والسجود له، وشعار الصالحين في ذلك: إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيَّ فَلاَ أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي.
وقوله تعالى: (لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (، هذا هو شق العبادة الآخر الذي ينفيه الجاهلون، ويأبون إدخاله في مسمى العبادة، فإن الله تعالى ذكر عن نسك العبادة وتسبيحهم وتقديسهم، وذكر هنا أمر عملهم واختيارهم فيه، وذلك أنهم عباد في الطاعة والإنقياد، كما هم عباد في النُسك والإخبات. والجهل في هذا الأمر وأنه عبادة له، وأن توحيد المرء وإيمانه يخرجه إلى طاعة هواه وطاغوته، فيتخذ من الأحكام والتشريعات غير ما أمر الله تعالى، وعلى الضد من شرعه وحكمه. وما وَصَفَ الله به الملائكة هنا من تمام عبودية هو أمر لعبيده من الخلق كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ (.
والله ? في كلامه حين يبين إستغناءه عن العصاة يجعل فعل المحبوبين له قائمًا له في تحقيق الحب والرضى، فإن الله يريد تحقيق رضاه في الخلق، ويريد تحقيق ما يحب من سماع تسبيحه، وخضوع لأمره، وحين يعرض العصاة عن ذلك فإنه ? يبين أن هذا الرضى والحب قد تحقق في غيره، وذلك كقوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ? فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (. وقال سبحانه: (أُولَائِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (.