الدخول في ذات المرتبة، إذ لا يدخل الله تعالى أحدًا في مرتبة العبودية والطاعة إلا من هو مكرم من الله تعالى، وهذا دعاء ابراهيم (لنبيه حين قال: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ (وهو دعاء موسى لنفسه وأخيه هارون سدد خطاكم: (وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (وسيأتي في هذه السورة أن هذا اصطفاء وذلك في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (؛ فعبادة الله تعالى مرتبة تشريف بذاتها، إذ لو لم يكن إلا هي بلا جزاء لكان تحقق العبد بها نعمة وعطاء يوجب شكرًا وحمدًا لله تعالى كما قال الله عن المهتدين في قولهم: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ (فكانت العبودية لله نعمة تستوجب هذه المقالة العظيمة من الحمد لله تعالى.
فجنس الملائكة قد أكرمهم الله باختصاصهم في هذا المقام، وهو تسبيحٌ دائم لا يفتَر ولا يَنقطع، بل عبادة موصولة، ولا جزاء لها، بل هي الفعل والجزاء، وبهذا تعلم مقام العابدين، وأنه مقام إكرامٍ واصطفاءٍ إلهي، وأن مقام العصاة والمُعرضين هو مقام عذابٍ بذاته، ومقام طردٍ مذموم، ولو لَم يكن لهم إلا هذا المقام حيث تغيب عنهم نعمة العبادة والتذلل والخضوع وتسبيح الله وتقديسه لكان هذا كافيًا في العذاب كما قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا (.
والجهلة في هذا المعنى هم الذين يظنون أن أهل المعصية في نعيم وراحة، وأن أهل الطاعة في تعب وشقاء، والأمر كما قال تعالى: (فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (، وكما هو أمر الشهداء، فإن الناس يرونهم في دمائهم وأشلائهم المقطعة، وهم في النعيم والسعادة، بل ويتمنون ان يعودوا للدنيا من أجل العودة غلى لحظة السعادة والنعيم التي عاشوها لحظة الشهادة، فهي لذة الروح والبدن والنفس بما لا يعرفه أهل الدنيا في شأنهم كله.
ومن أجل هذا المعنى كانت آيات الله بالامر والنهي رحمةٌ من الله تعالى، ونورًا وروحًا كما سماها القرآن، وأمّا الجهلة والمنافقون فلا يرونها إلا عذابًا ورهقًا كما قال الله عنهم في عدم رؤية النعيم في العطاء الإلهي: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (. وقد ضرب الله مثلًا للفريقين حين نزول النور الإلهي، ومجيء الاحكام الربانية في قوله تعالى: (وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ? وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (، فلا يَغبط العاصي إلا جاهل، وحاله كمن غبط فاقد الحس