فهرس الكتاب

الصفحة 85 من 198

اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [1] وقوله تعالى: (أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (.

فمن أعظم الكفر والشرك، الافتراء على الله، والتقول عليه ما لم يقل.

وثانيهما: أن هذا طعنٌ في قدوسية الله تعالى، إذ أن الله سبحانه المتكبر لا يرضى لأحد من خلقه إلا أن يكون عبدًا له، وإنما يزداد الناس قربًا لله تعالى بدخولهم في هذا المعنى لقوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (وكما قال رسول الله (:(( أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا ) ). فأيُّ قولٍ أو تصوّر لعلاقةٍ أخرى غير هذه هو طعنٌ في ربوبية الله وقدوسيته وكبريائه جلَّ في علاه، وهذا هو من أعظم الشرك والكفر، فالله يقول: (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِّلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ? فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (.

فإدراك الخلق أن الله رب كل شيء وخالقه، وأن غيره مربوب له محتاج إليه في وجوده وحياته وقيامه على نفسه، يمنعهم من تصور اي علاقة غير علاقة العبودية بينه وبين خلقه، حتى من أكرمهم وخصهم بالقرب منه كالملائكة والأنبياء والصالحين، وهذا المعنى يلقي على قلب قارئ القرآن معنى الوجود كله عامة، ومعنى وجوده في هذه الدنيا، فإن الله تعالى قال: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ (فسبحانه جل في علاه، يسبح له الوجود كما يسجد له، ولا يخرج عن هذا إلا بعض الخلق ممن تنتظرهم جهنم كما قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (.

وقوله تعالى: (بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ (هذه هي مرتبتهم عنده، وهي أعلى المراتب، إذ أنهم لعبوديتهم الله التي تقدم وصفها في قوله تعالى: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (رفعهم الله بأن جعلهم: (مُكْرَمِينَ (، وهي مرتبة قرب من الله تعالى، كما هي مرتبة اصطفاء، أعظم ما فيها هو عملها التي تقوم به، وهي العبادة؛ فالعبادة هي مرتبة إكرام بذاتها، لا لما يحصل لها من آثار وجزاء، فهذا الجزاء أمر زائد من الكرم والعطاء، لكن أعظم الإكرام هو

(1) يونس: 18

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت