هو أصل الشرك في الوجود، إذ يرفع المخلوق في المقام، فيعظم فوق ما هو عليه، ويجعل فيه من الأوصاف الباطلة بحجة التبجيل والتقدير، ثم يزيّن لهم الشيطان اتخاذهم وسائط عند الله تعالى، وتبدأ عبادتهم بالحب والخشية، وهما جذر العبادة والإخبات. فهكذا عبدت الملائكة، وهكذا عبدت الجن والصالحين والأنبياء، إذ الباب يفتح بالأسماء ثم تلقي هذه الأسماء على القائل والسامع معانيها فتتغير الحقائق ويفسد الوجود.
ففي هذه الآية: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (دليلٌ على عدم اعتقادهم بالولادة التي يحصل فيها نسبة الولد، بل قالوا: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (، فهو اصطفاء واحتباء خاص حتى سمى المصطفى المحتبى ولدًا، وإلا فلا يقول أحد بالولادة التي يحصل بها الولد النسبي، ولا النصارى يقولون هذا، بل لهم تفسيراتٌ أخرى في هذا الباب لا تصل إلى فهمٍ محددٍ واضح.
وهم في هذا الاعتقاد وهو قلهم: (اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (إنما يريدون إعطاء هذا المحتبى خصائص توجب صرف العبادة له، فيُسأل ويُدعى ويُخاف ويُرجى ويُستغاثُ به، هذا مع أصل اعتقادهم أن ما أعطى من الخصائص إنما هي من الله تعالى، وهذا ما نفاه الله بقوله: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (.
وكما أن هذه الآلهة الباطلة تعطى من قبل عابديها خصائص توجب صرف أعمال النسك لها كما يقولون، كذلك هو حال من اعتقد أن أحدًا أعطاه حق الطاعة المطلقة دون قيد الرجوع للكتاب والسنة، فهذا كذلك من تسمية إلهًا من دون الله تعالى، إذ كل طاعة أمر الله بها لأحد من الخلق إنما هي مقيدة بحكم الله وقضائه وشرعه كما قال تعالى عن الوالدين: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا (وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا (، واليوم تجدهم يسمون آلهتهم الباطلة مشرعين، ويشاركهم في هذه التسمية جهلة المسلمين، ولا يأنفون من ذلك، مع علمهم بقول الله تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَاذَن بِهِ اللَّهُ (.
وقوله تعالى: (سُبْحَانَهُ (دليلٌ أن هذا من البهتان، وهو على هذا المعنى من جهتين؛ أولاهما القول على الله كذبًا كما قال ?: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ