فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 198

وأنا أظن أن هذه الآيات ليست ردًا على مشركي قريش، لعدم معرفة مشركي قريش اسم الرحمن، وقد تقدم هذا بيانه في سورة الإسراء عند قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ (وفيه أن القرآن يبين انكارهم لهذا الإسم كما في سورة الفرقان في قوله عنهم: (قَالُوا وَمَا الرَّحْمَانُ (، ويشهد لذلك حديثان مذكوران في ذلك الموطن.

هذا مع أن القرآن ذكر عن المشركين في مواطن تسميتهم الملائكة أولاد الله تعالى، ففي سورة البقرة ويونس لم يذكر فيها نسبة الولد للرحمن، بل نسبة لاسم الذات وهو الله.

ففي البقرة يقول الله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (

وفي يونس يقول الله تعالى: (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ (

وأمّا هنا في الأنبياء فجعلوا النسبة «للرحمن» وكذلك في مريم في قوله تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا ? لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (، ولقد ذكر في بعض الكتب أن اسم الرحمن كان يعرفه أهل الكتاب. والحق أن هذا يحتاج إلى أعمال نظر لبيان هذا التنوّع، كما يحتاج إلى قراءة وبحث، والحال لا يعين على ذلك، وهو أمر قد سبق أن شغلني على الحال الذي أنا فيه من عدم المراجع فلم أهتد إليه إلى شيء أرضاه، فرحم الله عبدًا أرشدني وعلمني.

فهذه الآية تنهى تسمية الملائكة أولادًا لله تعالى، حتى لو كان على جهة نسبة التشريف، لأن أهل الكتاب يستخدمون هذا كثيرًا في كلامهم؛ أي تسمية الخلق أولادًا لله تعالى، ولذلك قال الله عنهم: (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ (وهذه التسمية الباطلة هي أصل فساد النصارى في قولهم عيسى ابن الله، أو كقول بعض اليهود؛ وهؤلاء لا وجود لهم: (الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ (، والفساد أول ما يقع في الأسماء ثم يلحق به الإعتقاد والعمل، كما قال الشيطان لآدم (: (هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (فالأسماء لها آثارها على السمع والقلب، وتوقع من المعاني بعد ذلك ما تريد، ولذلك حرص الإسلام على هذا الباب كثيرًا، وهذا من بابه كما تراه، والأسماء الشرعية لا يجوز إنزالها إلا على ما عناه الله ورسوله (، فلا يجوز تغييرها، كما لا يجوز إنزالها على غير المراد، فلا يجوز تسمية الصلاة بغير اسمها، كما لا يجوز تسمية غير الصلاة الشرعية بهذا الاسم، وهكذا كل الأسماء الشرعية كالشهيد والإيمان والتوحيد والعبادة، والشياطين تنازع المسلمين في هذا، إذ بتغيير الأسماء تغير الحقائق، وتوضع الآيات والأحاديث في غير مواطنها، فيقع الفساد؛ فهؤلاء سموا الملائكة ابتداءً إناثًا، ثم جعلوا يعظمونها بهذا الاسم وهو أولاد الله، ثم عبدوها كما قال تعالى عنهم: (وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ ? وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (، وهم لَم يعبدوا الملائكة على جهة الاستقلال، بل جعلوهم وسائط في عبادة الله، فكانت هذه عبادتهم إياه، وهذا المعنى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت